---------------------------( أسرار البادية )-----------------------
# 2 #
نشبت عداوة بيني و بين سيدنا ، لعل تسميتي للمولود تركت أثراً في نفسه مما جعله يحمل حقداً و كراهية تجاهي تطورت مع نقاشي له إلى عداوة مبطنة ، يظهر أنني كنت ضحية ( لُعبة سياسة ) عندما تدخلتُ في صلاحيات سيدنا .
قضيت في تلك البوادي فترة قصيرة . لكنها كانت مشحونة بالأحداث التي غيرت مجرى حياتي . أحببت فيها و كرهت . مارست فيها الوضوح الذي يقود إلى المواجهة . و الحياد الذي يُوصف فيه صاحبه بالجبان الخوار .
كنت قد أخبرتكم بأن العقيقة أو ( السماية ) من أهم المناسبات التي يحتفي بها أولئك البدو، فقد لامستُ ذلك الشغف في عيونهم و كلماتهم ، لا أدري أكان كل ذلك فرحاً بقدوم مولود جديد في القبيلة أم لأنهم ينتظرون السباق الذي يقام على شرف المولود !!؟
جلست بعد ما حاورني سيدنا في طرف المجلس بالقرب من ( ماأدي ) لا أعرف السبب الذي يجعله يجلس دائماً على أطراف المجالس ، شعرت بأن عمي كان مبتسماً رغم كدموله و نظارته السوداء و أنه سعيد جداً بذلك التماس مع سيدنا . يذكره بوالدي و عناده .
حديث الشباب كان منصباً في السباق الفائت و كيف فازتِ المهرة ( دهباية ) رغم أنها لم تكن ضمن المرشحات بالفوز حتى أنها مجهولة النسب فقد اشتراها ( أرم أدي ) من فَقِيْر ( درويش ) و أطلق عليها اسم دهباية لأنه اشتراها من مال اكتسبه عندما هاجر إلى أرض الذهب و أن المهرة ( زَرْقَة ) جديرة بالفوز فهي أصيلة كابراً عن كابرٍ . يقولون إن ( أرم أدي ) أصابته ليلة القدر في تلك السنة . فقد كسب مالاً لا بأس به من الذهب و اشترى بها قطيعاً من الإبل العتيقة و تزوج من شابة جميلة سليلة نسب و حسب تنافس عليها الشُبان لكنه استطاع الظفر بها طارداً كل المنافسين بتلك الهدايا التي قدم بها من أرض الذهب خاصة وتلك البطاطين الحمراء القانية . ثم فازت مهرته ( دهباية ) مجهولة النسب و ذاع صيتها . لذا كانوا يقولون إن فوزها ما هو إلا ( فورة لبن ) لكن كان ابن عمي ( ماأدي ) صاحب ( زرقة ) في صمت مريب و لم أكن أعلم أنه هو صاحب تلك المهرة الأصيلة إلا تلك اللحظة التي قرأت فيها علامات الألم بادية على وجهه ، فتذكرت قصة الجمل ( الأبلق ) و علاقته مع صاحبه في ( التبر ) للأستاذ إبراهيم الكوني . يبدوا أن ( ماأدي ) في يأس من الفوز على ( دهباية ) و أن فوزها لم يكن مجرد حظ فقط . فالفرسة كان يظهر عليها علامات النسب الأصيل و إن لم يعلموا نسبها .قالها لي ماأدي يوماً و هو يُمَنْي نفسه لو زاوجها مع فرس له . و كلما أوغل الشباب في تذكر ذلك السباق كان صاحبي ينزوي داخل نفسه سارحاً في أفكاره . في لحظت من تلك اللحظات بدأ ( صاحب الربابة ) يوزع الشاي الأخضر في أكواب صغيرة و قد لفت انتباهي أنه قال امدحوها قبل أخذها . فتبارى الشباب و الشِياب يتغزلون فيها بكلمات موجزة أشبه بالألغاز ذاكرين محبوباتهم و مغامراتهم . و كنت في حيرة من أمري ماذا أقول عنها ؟ معجمي لا يسعفني و ان أسعفني فصوري قاصرة و لغتي الحاضرة لا تناسب أجواءهم ؟ . بيد أن كلماتهم الجميلة و أوصافهم البديعة سحبتني من بئر المخاوف إلى رحابة الإبداع غارقاً في تلك الأوصاف مستحضراً مجالس السابقين عندما يجتمعون على الراح . عندما وصل الدور إلى ( أرم أدي ) لم يأخذ كوبه مباشرة و إنما تلفت في المجلس يمنة و يسرة ممعناً نظره إلى ( ماأدي ) ثم مد يده قائلاً .
إنّ شاء الله رطلك يبقى بكيلو دهب
ما يشربك إلا الدّهابة و صاحب دهباية
و أخذ كاسة
هنا في هذه اللحظة كان الجميع ينتظر التحدي من ( ماأدي ) الكل في شوق إلى كلمته . لكنه خالف جميع التوقعات حتى أنه لم يُعِر العادة كثير اهتمام أخذ كاسته في صمت و انزوى داخل نفسه فعلم الجميع أنه لن يشارك في تلك المباراة المرتقبة .
كنت في تلك اللحظة أتأمل الوجوه أقرأ تضاريس الأرض . أقارن بين ملابسهم الفاخرة الزاهية الألوان و بين تلك الفيافي المقفرة . في المدن تنصب الخيام لمثل تلك المناسبات . لكن هنا . يكفي أن يكون في الفرِيْق شجرة هجليج أو سدرة عملاقة . رفعت رأسي لأتأكد من الشجرة التي كنا تحتها و هي ملاصقة لغرفة عمي . كانت سدرة عملاقة . يبدوا أنها حضرت أحداثاً كثيرة و تعرف كل الحضور . أعمارهم أسماءهم أفراحهم خيباتهم حتى خياناتهم فهي طويلة تطل على القرية كلها بفروعها الطويلة . لا بد أن لهذه الشجرة قصصاً و حكايات أفراح و أتراح .
من بعيد ظهرت شابة تتبختر في مشيتها . استرقت النظر إليها انجذبت نحوها هِمْت في مشيتها خطواتها . ألوان ملابسها . كلما اقتربت كنت أحس بتسارع دقات قلبي . إلتفتت نحوي و حدجتني بنظرة باسمة طبعتها على قلبي .
قلت بصوت خفيض لا يسمعه أحد ( لا إله إلا الله ) فوجدتُ أن ( ماأدي ) كان يتابع حركت عيني ابتسم و قال : هذه البنت عذبت الجميع متكبرة احترس على قلبك منها . تغنى بها الجميع لكنها لم تعرهم اهتماماً حتى يئس منها الجميع . انها بنت ( سيدنا ) .
ااااااه ..... ابنة سيدنا قال نعم اسمها ( فتِمه ملُمرو ) . ظهرت امراة أخرى تحمل الماء على حمار . الشباب في حلقات متفرقة تحت السدرة لا زال حديثهم منصباً في السباق و تكهناته . صاحب الربابة منشغل بإعداد الشاي . يظهر أن ( براد ) الشاي لن ينزل عن النار مادام المجلس منعقداً . لاحظت أنه كان يدقق النظر إليّ و كأنه يبحث عن مدخل للكلام بيننا .
لكزني ماأدي طالباً منّي الانسحاب من المجلس قمتُ على إثره كانت خطواته بطيئة جداً حتى أنك تحسبه واقفاً و هذا ما ساعدني لأدقق النظر في أرجاء القرية . البيوت كانت متفرقة لكنها متشابهة في طولها و لون حجارتها و طريقة بنائها . الساعة تشير إلى الحادية عشرة ، بدأت الشمس تسلط أشعتها معلنة نهاراً مشمساً . بعض النساء يحملن قُلل الماء في طريقهن الى البيوت . معزة تتجول بين البيوت المتفرقة . و أخرى تتصارع مع برمة فيها بقايا كسرة . طفل حاف القدمين عليه جلباب قصير مهترئ يحمل لوحاً خشبياً على ظهره و بيده اليمنى طاسة صغيرة عليها رسوم غير واضحة . يردد ( شااان الله شاااان الله ) متوجهاً إلى بيت الوليمة . كلب صغير يتجول في الأرجاء يبحث عن ظل يأوي إليه . بدأ ( ماأدي ) يخب الخطى نحو الخيمة التي استضافني فيها . و كنت على أثره لكني ما زلت أقرأ تضاريس المكان محاولاً ربط نفسي بها .
لم تكن الخيمة بعيدة عن غرفة عمتي ( هرمطه زارء ) أُم ( ماأدي ) فعمي متزوج بثلاث نساء ، و عمتي تعتبر الوسطى في الترتيب لذا لم تكن لها أهمية كبيرة فلا هي الصغيرة لتتدلل و لا هي الكبيرة لتتأمر و زد على ذلك أنه تزوجها بعد وفاة زوجها ( كبديل ) فهؤلاء البدو لهم عادة غريبة جداً . فالمرأة تعتبر كالثروة خاصة إذا كانت عندها أبناء ذكور و لها تركة من زوجها . فالأقرب أولى بها . ما إن عرفت بقدومنا إلى خيمتنا لنستجمّ حتى أرسلت إلينا بقُلة صغيرة فيها ( مُرْصُو ) مديدة من الدخن مع حفيدتها ( هرمطه أدي ) التي أصبحت فيما بعد مراسلتي ، نزعت نعليها من مسافة بعيدة و دخلت الخيمة منحنية بحركة تشبه الركوع متمتمة بكلام أقرب إلى الهمهمة منه إلى الكلام ، و كأنها تقدم الماء لسلطان معظم ، عندها تذكرت أن ( فتمه ملمرو ) عندما جازت مجلسنا نزعت هي الأخرى نعليها رغم أنها كانت ترفل في ثوب بهي مظهرة الإحترام مع أنها تُكِن للجميع كرهاً إلا ( عمي و أبوها ) . فسألت ( ماأدي ) ما قصة نزع النساء للأحذية ؟ فقال : في هذه البوادي الرجال ملوك و من حقهم أن يجدوا بعض الإحترام . و المرأة البدوية من طبيعتها أنها تحترم الرجل و هذا مظهر من مظاهر الإحترام . و مع هذا فإن المرأة البدوية عنيدة و متكبرة . فلا تأمنْهن .
كانت الخيمة فسيحة من الداخل مع أن شكلها الخارجي يوحي بأنها صغيرة و مهجورة . كنتُ البارحة مرهقاً و في الصباح قمتُ على عجل لذا لم أستشعر دفئها و تناسقها مع أن أغراضها كانت قليلة . بساط بلاستيكي عليه ملاءة سميكة تشبه البطانية لكنها خفيفة المحمل مع ثلاث لحافات صغيرة على كل لحاف مخدة و بطانية ناعمة الملمس . الخيمة مَكْسُوة من الداخل بستائر رائعة . في ركن من أركانها سرج جمل . و في وسطها طبق من السعف يشبه الصينية عليه كاسات شأي و براد صغير . وعند الباب أبريق نحاسي كبير .
أخرج ( ماأدي ) عُلبة سجاير من التي زودته بها و أشعل واحدة ثم استرسل في الكلام قائلاً : أظن أنه جاء الوقت الذي يُكسر فيه قلب هذه البنت العنيدة . كأنني أُرسلتُ لأُصفي حسابات غيري . مثلتُ فيها دور الغبي و قلت . قلب من ؟
أرسل ابتسامة ماكرة و بخبث قال . ( حركت القلوب تشبه السحب الماطرة . يسبقها رعود و بروق ) يبدو أنني سوف أشارك في السباق و ذلك ليتسنى لك رؤيتها عن قرب و التحدث إليها . نعم كنت أحببتها في يوم من الأيام و قد ردتني بطريقة جميلة حين قالت لي أنت في مقام أخي ( ما ملوممي ) فقد كنت و أخيها روحاً واحدة في جسدين . كان يستعير مهرتي لمغامراته الليلية و دائما أتركها معه لفترة زمنية لذا نشئت علاقة ود بين مهرتي و فرستَك . قال ذلك ، و هو يدقق النظر إلى عيني . نافثاً دخان سجارته بمتعة محركاً السيجارة بين أصابعه مستغلاً صمتي في توجيه دفة الأحداث . قال : هيا بنا نُجهِز ( زرقة ) للسباق قام من دون أن ينتظر موافقتي فقمت خلفه . تقع زريبة المهرة خلف خيمته مباشرة و على يمينها غرفة العمة . الزريبة . سياج من جذوع نخل متينة في وسطها سدرة صغيرة استغربت من وجود تلك الجذوع في تلك الصحراء . ما إن سمعتِ المهرة خشخشة نعلينا رفعت رأسها ثم صهلت بصوت رخيم كأنها كانت تنادي اسم ( ماأدي ) بادلها ( ماأدي ) كذلك منادياً اسمها مغنياً عبر الصفير أغنية جميلة . فتح الباب و دخل عليها كان يقول لها بعض الكلمات ماسحاً ظهرها بطريقة حانية يشتم رائحتها . كنت واقفاً خلف السياج مراقباً لتلك الحالة الرومانسية متأملاً في اللغة التي جمعت بين هذين المخلوقين . تُحرك ذيلها ترفع رأسها تتقدم و تتأخر و هو مندمج معها بين غناء و صفير . أكثر من ساعتين لم يترك جزءاً من جسمها و إلا مسدها فيه و في النهاية قال لها : ( سوف يكون آخر فوز و آخر سباق لك ) و انهمرت منه دمعتان .
بعد صلاة العصر خرجت القرية عن بكرة أبيها خاصة و قد ترامى للجميع أن ( زرقة ) سوف تشارك . بعدما تكهن الجميع أن ( ماأدي ) لن يجازف بسمعته و أنه آثر الإنسحاب بصمته عندما تناول كاسة الشاي من صاحب الربابة ، كنت أكثر فرحاً من الجميع . لبستُ ( الكبتاني ) لأول مرة في حياتي . بيضاء ناصعة . أخرجت نظارتي السوداء لأُخفِي شخصيتي فأنا لن أتابع السباق و لا يهمني فوز ( زرقة ) أو خسارتها . فهدفي واضح جداً . إنها ( فتِمه ملمرو ) تلك الغانية التي غرست سهامها المسمومة في قلبي على حين غفلة منّي لم أكن أتمعن فيها بغرض شهواني عندما ظهرت . كنت أتأمل الفِلكلور الصحراوي في ملابسها . تسريحتها التي تشبه ( البوب ) الخرزة التي في صدرها . توقفت ملياً عند نهاية ساقها ما فوق القدم و ذلك الأسوار الفضي. كانت ترفل في ألوان قوس قزح . تريد الألوان أن تصرفني عن الجوهر فأرسلت إلي ببسمة تركتني جريحاً أبحث عنها لتضمد جراحي .
كان الرجال على جانب و النساء على الجانب الآخر . كنّ فريقين بعضهن يشجعن زرقة و كانت قائدتهن ( فتِمه ) و فريق آخر لم أتمعن فيهن بل لم يُثِرن انتباهي رغم ضجيجهن و زغاريدهن . لا شيء يوصف في أرض الحلبة غير أنها سهل واسع مستوي . يبدو أن صاحب الربابة اليوم في مهمة أخرى . فهو الحَكَمُ و المنظم للصفوف ، الآمر و الناهي . تعجبت من خيلائه في الميدان . أمَرَ الفرسان بالتوجه إلى نقطة البداية فانطلق الفرسان بخيولهم يحدوهم الأمل . كل يحلم بالفوز في مقدمتهم ( دهباية ) بكامل زينتها . تبعد نقطة البداية خمس كيلو مترات من خط النهاية تقريباً حيث الجمهور . وقفتِ الخيول في صف معوج عيونها على خط النهاية حيث الغانيات . وقف شاب غير بعيد عنهم رافعاً يده بقطعة بيضاء يلوح بها . و في خط النهاية وقف صاحب الربابة يتأمل الفرسان من على البعد يبدون و كأنّهم جيش جرار . ينتظر ظهورهم ليحدد المراكز . . في الأثناء كنت أتقرب من صفوف النساء مساعداً صاحب الربابة في التنظم . أبحث عن كلمة نافذة . اقتربتُ من ( فتِمه ملمرو) لوح الشاب بالقطعة معلناً الانطلاق . وقف الجميع في صمت . اقترب صاحب الربابة منّي و قال إن فازت ( زرقة ) ستفوز بها .
يتبع .........
#خربشات_أبي_يسرا
# 2 #
نشبت عداوة بيني و بين سيدنا ، لعل تسميتي للمولود تركت أثراً في نفسه مما جعله يحمل حقداً و كراهية تجاهي تطورت مع نقاشي له إلى عداوة مبطنة ، يظهر أنني كنت ضحية ( لُعبة سياسة ) عندما تدخلتُ في صلاحيات سيدنا .
قضيت في تلك البوادي فترة قصيرة . لكنها كانت مشحونة بالأحداث التي غيرت مجرى حياتي . أحببت فيها و كرهت . مارست فيها الوضوح الذي يقود إلى المواجهة . و الحياد الذي يُوصف فيه صاحبه بالجبان الخوار .
كنت قد أخبرتكم بأن العقيقة أو ( السماية ) من أهم المناسبات التي يحتفي بها أولئك البدو، فقد لامستُ ذلك الشغف في عيونهم و كلماتهم ، لا أدري أكان كل ذلك فرحاً بقدوم مولود جديد في القبيلة أم لأنهم ينتظرون السباق الذي يقام على شرف المولود !!؟
جلست بعد ما حاورني سيدنا في طرف المجلس بالقرب من ( ماأدي ) لا أعرف السبب الذي يجعله يجلس دائماً على أطراف المجالس ، شعرت بأن عمي كان مبتسماً رغم كدموله و نظارته السوداء و أنه سعيد جداً بذلك التماس مع سيدنا . يذكره بوالدي و عناده .
حديث الشباب كان منصباً في السباق الفائت و كيف فازتِ المهرة ( دهباية ) رغم أنها لم تكن ضمن المرشحات بالفوز حتى أنها مجهولة النسب فقد اشتراها ( أرم أدي ) من فَقِيْر ( درويش ) و أطلق عليها اسم دهباية لأنه اشتراها من مال اكتسبه عندما هاجر إلى أرض الذهب و أن المهرة ( زَرْقَة ) جديرة بالفوز فهي أصيلة كابراً عن كابرٍ . يقولون إن ( أرم أدي ) أصابته ليلة القدر في تلك السنة . فقد كسب مالاً لا بأس به من الذهب و اشترى بها قطيعاً من الإبل العتيقة و تزوج من شابة جميلة سليلة نسب و حسب تنافس عليها الشُبان لكنه استطاع الظفر بها طارداً كل المنافسين بتلك الهدايا التي قدم بها من أرض الذهب خاصة وتلك البطاطين الحمراء القانية . ثم فازت مهرته ( دهباية ) مجهولة النسب و ذاع صيتها . لذا كانوا يقولون إن فوزها ما هو إلا ( فورة لبن ) لكن كان ابن عمي ( ماأدي ) صاحب ( زرقة ) في صمت مريب و لم أكن أعلم أنه هو صاحب تلك المهرة الأصيلة إلا تلك اللحظة التي قرأت فيها علامات الألم بادية على وجهه ، فتذكرت قصة الجمل ( الأبلق ) و علاقته مع صاحبه في ( التبر ) للأستاذ إبراهيم الكوني . يبدوا أن ( ماأدي ) في يأس من الفوز على ( دهباية ) و أن فوزها لم يكن مجرد حظ فقط . فالفرسة كان يظهر عليها علامات النسب الأصيل و إن لم يعلموا نسبها .قالها لي ماأدي يوماً و هو يُمَنْي نفسه لو زاوجها مع فرس له . و كلما أوغل الشباب في تذكر ذلك السباق كان صاحبي ينزوي داخل نفسه سارحاً في أفكاره . في لحظت من تلك اللحظات بدأ ( صاحب الربابة ) يوزع الشاي الأخضر في أكواب صغيرة و قد لفت انتباهي أنه قال امدحوها قبل أخذها . فتبارى الشباب و الشِياب يتغزلون فيها بكلمات موجزة أشبه بالألغاز ذاكرين محبوباتهم و مغامراتهم . و كنت في حيرة من أمري ماذا أقول عنها ؟ معجمي لا يسعفني و ان أسعفني فصوري قاصرة و لغتي الحاضرة لا تناسب أجواءهم ؟ . بيد أن كلماتهم الجميلة و أوصافهم البديعة سحبتني من بئر المخاوف إلى رحابة الإبداع غارقاً في تلك الأوصاف مستحضراً مجالس السابقين عندما يجتمعون على الراح . عندما وصل الدور إلى ( أرم أدي ) لم يأخذ كوبه مباشرة و إنما تلفت في المجلس يمنة و يسرة ممعناً نظره إلى ( ماأدي ) ثم مد يده قائلاً .
إنّ شاء الله رطلك يبقى بكيلو دهب
ما يشربك إلا الدّهابة و صاحب دهباية
و أخذ كاسة
هنا في هذه اللحظة كان الجميع ينتظر التحدي من ( ماأدي ) الكل في شوق إلى كلمته . لكنه خالف جميع التوقعات حتى أنه لم يُعِر العادة كثير اهتمام أخذ كاسته في صمت و انزوى داخل نفسه فعلم الجميع أنه لن يشارك في تلك المباراة المرتقبة .
كنت في تلك اللحظة أتأمل الوجوه أقرأ تضاريس الأرض . أقارن بين ملابسهم الفاخرة الزاهية الألوان و بين تلك الفيافي المقفرة . في المدن تنصب الخيام لمثل تلك المناسبات . لكن هنا . يكفي أن يكون في الفرِيْق شجرة هجليج أو سدرة عملاقة . رفعت رأسي لأتأكد من الشجرة التي كنا تحتها و هي ملاصقة لغرفة عمي . كانت سدرة عملاقة . يبدوا أنها حضرت أحداثاً كثيرة و تعرف كل الحضور . أعمارهم أسماءهم أفراحهم خيباتهم حتى خياناتهم فهي طويلة تطل على القرية كلها بفروعها الطويلة . لا بد أن لهذه الشجرة قصصاً و حكايات أفراح و أتراح .
من بعيد ظهرت شابة تتبختر في مشيتها . استرقت النظر إليها انجذبت نحوها هِمْت في مشيتها خطواتها . ألوان ملابسها . كلما اقتربت كنت أحس بتسارع دقات قلبي . إلتفتت نحوي و حدجتني بنظرة باسمة طبعتها على قلبي .
قلت بصوت خفيض لا يسمعه أحد ( لا إله إلا الله ) فوجدتُ أن ( ماأدي ) كان يتابع حركت عيني ابتسم و قال : هذه البنت عذبت الجميع متكبرة احترس على قلبك منها . تغنى بها الجميع لكنها لم تعرهم اهتماماً حتى يئس منها الجميع . انها بنت ( سيدنا ) .
ااااااه ..... ابنة سيدنا قال نعم اسمها ( فتِمه ملُمرو ) . ظهرت امراة أخرى تحمل الماء على حمار . الشباب في حلقات متفرقة تحت السدرة لا زال حديثهم منصباً في السباق و تكهناته . صاحب الربابة منشغل بإعداد الشاي . يظهر أن ( براد ) الشاي لن ينزل عن النار مادام المجلس منعقداً . لاحظت أنه كان يدقق النظر إليّ و كأنه يبحث عن مدخل للكلام بيننا .
لكزني ماأدي طالباً منّي الانسحاب من المجلس قمتُ على إثره كانت خطواته بطيئة جداً حتى أنك تحسبه واقفاً و هذا ما ساعدني لأدقق النظر في أرجاء القرية . البيوت كانت متفرقة لكنها متشابهة في طولها و لون حجارتها و طريقة بنائها . الساعة تشير إلى الحادية عشرة ، بدأت الشمس تسلط أشعتها معلنة نهاراً مشمساً . بعض النساء يحملن قُلل الماء في طريقهن الى البيوت . معزة تتجول بين البيوت المتفرقة . و أخرى تتصارع مع برمة فيها بقايا كسرة . طفل حاف القدمين عليه جلباب قصير مهترئ يحمل لوحاً خشبياً على ظهره و بيده اليمنى طاسة صغيرة عليها رسوم غير واضحة . يردد ( شااان الله شاااان الله ) متوجهاً إلى بيت الوليمة . كلب صغير يتجول في الأرجاء يبحث عن ظل يأوي إليه . بدأ ( ماأدي ) يخب الخطى نحو الخيمة التي استضافني فيها . و كنت على أثره لكني ما زلت أقرأ تضاريس المكان محاولاً ربط نفسي بها .
لم تكن الخيمة بعيدة عن غرفة عمتي ( هرمطه زارء ) أُم ( ماأدي ) فعمي متزوج بثلاث نساء ، و عمتي تعتبر الوسطى في الترتيب لذا لم تكن لها أهمية كبيرة فلا هي الصغيرة لتتدلل و لا هي الكبيرة لتتأمر و زد على ذلك أنه تزوجها بعد وفاة زوجها ( كبديل ) فهؤلاء البدو لهم عادة غريبة جداً . فالمرأة تعتبر كالثروة خاصة إذا كانت عندها أبناء ذكور و لها تركة من زوجها . فالأقرب أولى بها . ما إن عرفت بقدومنا إلى خيمتنا لنستجمّ حتى أرسلت إلينا بقُلة صغيرة فيها ( مُرْصُو ) مديدة من الدخن مع حفيدتها ( هرمطه أدي ) التي أصبحت فيما بعد مراسلتي ، نزعت نعليها من مسافة بعيدة و دخلت الخيمة منحنية بحركة تشبه الركوع متمتمة بكلام أقرب إلى الهمهمة منه إلى الكلام ، و كأنها تقدم الماء لسلطان معظم ، عندها تذكرت أن ( فتمه ملمرو ) عندما جازت مجلسنا نزعت هي الأخرى نعليها رغم أنها كانت ترفل في ثوب بهي مظهرة الإحترام مع أنها تُكِن للجميع كرهاً إلا ( عمي و أبوها ) . فسألت ( ماأدي ) ما قصة نزع النساء للأحذية ؟ فقال : في هذه البوادي الرجال ملوك و من حقهم أن يجدوا بعض الإحترام . و المرأة البدوية من طبيعتها أنها تحترم الرجل و هذا مظهر من مظاهر الإحترام . و مع هذا فإن المرأة البدوية عنيدة و متكبرة . فلا تأمنْهن .
كانت الخيمة فسيحة من الداخل مع أن شكلها الخارجي يوحي بأنها صغيرة و مهجورة . كنتُ البارحة مرهقاً و في الصباح قمتُ على عجل لذا لم أستشعر دفئها و تناسقها مع أن أغراضها كانت قليلة . بساط بلاستيكي عليه ملاءة سميكة تشبه البطانية لكنها خفيفة المحمل مع ثلاث لحافات صغيرة على كل لحاف مخدة و بطانية ناعمة الملمس . الخيمة مَكْسُوة من الداخل بستائر رائعة . في ركن من أركانها سرج جمل . و في وسطها طبق من السعف يشبه الصينية عليه كاسات شأي و براد صغير . وعند الباب أبريق نحاسي كبير .
أخرج ( ماأدي ) عُلبة سجاير من التي زودته بها و أشعل واحدة ثم استرسل في الكلام قائلاً : أظن أنه جاء الوقت الذي يُكسر فيه قلب هذه البنت العنيدة . كأنني أُرسلتُ لأُصفي حسابات غيري . مثلتُ فيها دور الغبي و قلت . قلب من ؟
أرسل ابتسامة ماكرة و بخبث قال . ( حركت القلوب تشبه السحب الماطرة . يسبقها رعود و بروق ) يبدو أنني سوف أشارك في السباق و ذلك ليتسنى لك رؤيتها عن قرب و التحدث إليها . نعم كنت أحببتها في يوم من الأيام و قد ردتني بطريقة جميلة حين قالت لي أنت في مقام أخي ( ما ملوممي ) فقد كنت و أخيها روحاً واحدة في جسدين . كان يستعير مهرتي لمغامراته الليلية و دائما أتركها معه لفترة زمنية لذا نشئت علاقة ود بين مهرتي و فرستَك . قال ذلك ، و هو يدقق النظر إلى عيني . نافثاً دخان سجارته بمتعة محركاً السيجارة بين أصابعه مستغلاً صمتي في توجيه دفة الأحداث . قال : هيا بنا نُجهِز ( زرقة ) للسباق قام من دون أن ينتظر موافقتي فقمت خلفه . تقع زريبة المهرة خلف خيمته مباشرة و على يمينها غرفة العمة . الزريبة . سياج من جذوع نخل متينة في وسطها سدرة صغيرة استغربت من وجود تلك الجذوع في تلك الصحراء . ما إن سمعتِ المهرة خشخشة نعلينا رفعت رأسها ثم صهلت بصوت رخيم كأنها كانت تنادي اسم ( ماأدي ) بادلها ( ماأدي ) كذلك منادياً اسمها مغنياً عبر الصفير أغنية جميلة . فتح الباب و دخل عليها كان يقول لها بعض الكلمات ماسحاً ظهرها بطريقة حانية يشتم رائحتها . كنت واقفاً خلف السياج مراقباً لتلك الحالة الرومانسية متأملاً في اللغة التي جمعت بين هذين المخلوقين . تُحرك ذيلها ترفع رأسها تتقدم و تتأخر و هو مندمج معها بين غناء و صفير . أكثر من ساعتين لم يترك جزءاً من جسمها و إلا مسدها فيه و في النهاية قال لها : ( سوف يكون آخر فوز و آخر سباق لك ) و انهمرت منه دمعتان .
بعد صلاة العصر خرجت القرية عن بكرة أبيها خاصة و قد ترامى للجميع أن ( زرقة ) سوف تشارك . بعدما تكهن الجميع أن ( ماأدي ) لن يجازف بسمعته و أنه آثر الإنسحاب بصمته عندما تناول كاسة الشاي من صاحب الربابة ، كنت أكثر فرحاً من الجميع . لبستُ ( الكبتاني ) لأول مرة في حياتي . بيضاء ناصعة . أخرجت نظارتي السوداء لأُخفِي شخصيتي فأنا لن أتابع السباق و لا يهمني فوز ( زرقة ) أو خسارتها . فهدفي واضح جداً . إنها ( فتِمه ملمرو ) تلك الغانية التي غرست سهامها المسمومة في قلبي على حين غفلة منّي لم أكن أتمعن فيها بغرض شهواني عندما ظهرت . كنت أتأمل الفِلكلور الصحراوي في ملابسها . تسريحتها التي تشبه ( البوب ) الخرزة التي في صدرها . توقفت ملياً عند نهاية ساقها ما فوق القدم و ذلك الأسوار الفضي. كانت ترفل في ألوان قوس قزح . تريد الألوان أن تصرفني عن الجوهر فأرسلت إلي ببسمة تركتني جريحاً أبحث عنها لتضمد جراحي .
كان الرجال على جانب و النساء على الجانب الآخر . كنّ فريقين بعضهن يشجعن زرقة و كانت قائدتهن ( فتِمه ) و فريق آخر لم أتمعن فيهن بل لم يُثِرن انتباهي رغم ضجيجهن و زغاريدهن . لا شيء يوصف في أرض الحلبة غير أنها سهل واسع مستوي . يبدو أن صاحب الربابة اليوم في مهمة أخرى . فهو الحَكَمُ و المنظم للصفوف ، الآمر و الناهي . تعجبت من خيلائه في الميدان . أمَرَ الفرسان بالتوجه إلى نقطة البداية فانطلق الفرسان بخيولهم يحدوهم الأمل . كل يحلم بالفوز في مقدمتهم ( دهباية ) بكامل زينتها . تبعد نقطة البداية خمس كيلو مترات من خط النهاية تقريباً حيث الجمهور . وقفتِ الخيول في صف معوج عيونها على خط النهاية حيث الغانيات . وقف شاب غير بعيد عنهم رافعاً يده بقطعة بيضاء يلوح بها . و في خط النهاية وقف صاحب الربابة يتأمل الفرسان من على البعد يبدون و كأنّهم جيش جرار . ينتظر ظهورهم ليحدد المراكز . . في الأثناء كنت أتقرب من صفوف النساء مساعداً صاحب الربابة في التنظم . أبحث عن كلمة نافذة . اقتربتُ من ( فتِمه ملمرو) لوح الشاب بالقطعة معلناً الانطلاق . وقف الجميع في صمت . اقترب صاحب الربابة منّي و قال إن فازت ( زرقة ) ستفوز بها .
يتبع .........
#خربشات_أبي_يسرا


