1
أفكر في الرجوع إلى الرياضة والركض قلت دعني أشاور العم هاروكي موراكي أظن أنّه سيفيدني في هذا المضمار خاصة وأنه بدأ يحدثني عن الجري بمفهوم تحريك للأفكار وترتيب لها يقول ( فلست أحاول تقديم نصيحة من قبيل " اسمعوني جميعاً " فلنركض كل يوم لنظل بصحة جيدة !" لكنه كتاب جمعت في أفكاري حول ما يعنيه الجري في نظري شخصياً محض كتاب أتأمل فيه اموراً عدة وأفكر بصوت عال ) ص ٧ .
النشاطات الحركية التي تنبي على إعادة شيئ واحد يدعو الإنسان للتأمل والتفكر مثلاً أنا عندما أكوي ملابسي تنتابني حالة من الهدوء الذي يجعلني أفكر في أمور كثيرة لذا أكره كي الملابس خاصة إذا كنت في فوضى ، كذلك عندما أركض أفكر في أشياء كثيرة جداً لكن الذي يميز هذه العملية أنها هادئة محببة وأظن أنني كتبت عنها لكن دعنا الآن ننطلق مع هاروكي في ( ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري ) .
سمى النقاد العملية التي ينتقل فيها الشاعر من المقدمة إلى الموضوع بحسن التخلص لا أدري ماذا أسمي أنا العملية التي تربط بين نشاطين مختلفين ؟ أول عملية ربط بين الكتابة والجري أعملها هاروكي عند التوقف عن الكتابة أن تتوقف عند نقطة تشعر فيها أنك سوف تعود بنشاط وحيوية يقول : ( اطمح الآن إلى زيادة المسافة التي أجريها ، ولا أهتم بالسرعة ، فما دمت أستطيع الجري لمسافة معينة فذلك كل ما يعنيني . أحياناً أجري جرياً سريعاً حين تراودني رغبة في ذلك ، ولكن إن زدت السرعة قللت وقت الجري ، ومرادي من ذلك أن أجعل النشوة التي أشعر بها في في نهاية كل جولة تستمر حتى اليوم التالي . وهذا هو شكل المسار الذي أراه ضرورياً عند كتابة رواية إذ أتوقف كل يوم عند النقطة التي اشعر بها أنني قادر على الكتابة أكثر ) ص ١٢ .
لقد كشف هاروكي سراً في حياتي لم أكن لأهدي إليه . كنت دائما أتسآل عندما أكون مضغوطاً بالمهام الحياتية اشعر أنني احتاج للرياضة وعندما أكون فارغاً متبطاً لا استشعر تلك الحوجة :( ولهذا كانت الساعة أو نحوها التي أقضيها في الجري وحدي للحفاظ على وقتي الصامت الخاص ، مهمة لتعينني على الإحتفاظ بسلامة ذهني ، حين أجري لا يتعين عليّ التحدث إلى أحد كما لا يتعين عليّ الإصغاء إلى أحد ) ص ٢٢ أظن أن السبب هو البحث عن الانفراد والتفكير في الأمور الشخصية ، وقد تكون تلك الأفكار مبعثرة لا يجمعها سلك لكن تلك اللحظات الفارغة من زحمة الحياة تصفي الذهن وتجعله أكثر تماسكاً وصلابة . وكلما زاد ذلك الزمن المستقطع أصبحت أكثر قوة ( وينجم عن جري مسافة أبعد قليلاً من المعتاد أنني أغدو أقوى ) ... ص ٢٦ .
2
النجاح والفشل قرينان لا ينفكان لذا من سياستي الشخصية أنني أتوقع نسبة للفشل حتى لا أصدم لكن هاروكي له رأي آخر نحو الفشل فهو يرى أن توقع الفشل هو خيار لذا يستبعده دائما فيخلص للعمل كلية :( ولكني أدركت أن علي بذل كل طاقتي في العمل ، مادم الفشل ليس خياراً ) ص ٣٠ .
قرار الكتابة المفاجئ الذي اتخذه هاروكي بث فيّ نوع من الأمل لكن هل يمكن للإنسان أن يقرر الكتابة وأن يقرر خوض تجربة لم تكن أصلاً من اهتماماته ؟ هذا ما سنعرفه . قرر هاروكي بعد أن شعر بأن حياته أصبحت شبه هادئة بعد الشعور بالاستقرار المادئ وأنه كذلك أصبح كبيراً : ( أخذت نفساً عميقاًوأنعمت النظر إلى ما حولي بهدوء ، وألقيت نظرة على الخطوات التي قطعتها هنا ، وبدأت التفكير في المرحلة التالية . لا لست في عداد الشباب بعد اليوم ، وقد خطرت لي فكرة كتابة رواية فجأة ) ص ٣١ .
أظن أن هاروكي بهذا يروج لفكرة أن الكتابة موهبة محضة ويقول في موضع آخر : ( لم أطمح يوماً أن أكون روائياً . راودتني تلك الرغبة القوية فقط في كتابة رواية ، ولم يكن لدي صورة واضحة عما أردت الكتابة عنه بل إيمان فحسب ) ص ٣٣ . كتب هاروكي أول رواية بهذه البساطة وأصبح كاتباً واعدا خاصة وأن روايته فازت بجائزة ما ، وأظن أن سبب نجاحه في تلك الرواية فلسفته ونظرته للعمل يقول : ( فأنا شخص يخلص كلياً لما يفعله ) ص ٣٥ ، وأن عمله في الحانة واحتكاكه بشتى أصناف البشر مع قوة ملاحظته مكنته أن ينجح في هذا القرار المفاجئ . لكن مع هذا يشير إشارة خجولة إلى أن الصبر والإلتزام هما ما يصنعان النجاح : ( حين بدأت الجري أول مرة لم أستطع قطع مسافات طويلة ، فأجري لما يقارب عشرين أو ثلاثين دقيقة فقط . وكان هذا القدر يجعلني ألهث وقلبي يدق وساقي ترتعشان . وهذا متوقع على أية حال لأنني لم أمارس الرياضة منذ وقت طويل . انتابني شيء من الحرج في بادئ الأمر من أن يراني الناس في الجوار وأنا أجري _ وراودني الشعور نفسه حين رأيت كلمة روائي مكتوبة بين قوسين بعد اسمي أول مرة _ لكنّي واصلت الجري ، وبدأ جسدي يقبل واقع أنه يجري ، ونجحت في زيادة المسافة تدريجياً . وأخذت باكتساب قوام العداء وصار نفسي أكثر انتظاماً واستقر نبضي . لم تكن السرعة أو المسافة هي ما يهم بقدر الجري يومياً دون أخذ استراحة ) ص ٤٢ ، فعملية الكتابة في نظر هاروكي تحتاج لقدر من الموهبة وبعدها تأتي عملية التدرب والتركيز مع الصبر : ( وإن سألوني عن ثاني أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الروائي ، فالجواب سهل أيضا : التركيز قدرتك على تكثيف كل مواهبك المحدودة فيما بين يديك مهما يكن ) ص ٧٦ . ( والأمر الذي يلي التركيز هو ببساطة الصبر .... فإن كان التركيز يشبه الشهيق ، فإن الصبر هو فن الزفير ببطء أن تتنفس وتحتفظ بالهواء في رئتك في الوقت نفسه . ومالم تتمكن من الموازنة بين الإثنين - الاستمرار في التنفس والاحتفاظ بالهواء - سيكون من الصعب أن تكتب الرواية باحترافية على المدى الطويل ) ص٧٧ انظر كيف ربط هاروكي بين عملية الجري والكتابة لذا هو يحترف ان أكثر ما يعرفه عن الكتابة تعلمه من ممارسة الجري كل يوم في أكثر من موضع من هذا الكتاب .
3
أفكر في المسافة التي كنت أقطعها عندما كنت أركض يومياً وبجدية تامة وادأقارنها بمسافة هاروكي لم أكن أجري كنت ألعب وألهو بالجري فقط اتذكر عندما قعطت مسافة ٢٥ كيلو احتفلت بهذا الانجاز وحفزت نفسي أشعر بخيبة أمل تمنيت أن لم أشاور هذا العداء .
مارثون كنت أظنها إنجليزية لكن اليوم عرفت أنها يونانية وهي قرية صغيرة ودودة هادئة ومسالمة هزم فيها الجيش الفارسي الغازي ، انطلق منها أول مارثون عندما تحدث هاروكي عن مشروع الجري بين أثينا ومدينة مارثون قاطعا مسافة ٢٨ ميلا ليعيش تجربة المارثون الأولى تذكرت مشروعاً كنت أفكر فيه منذ أمد بعيد مشروع مجنون لكنه في خطة حياتي أن اقطع المسافة بين سواكن والخرطوم بدراجة هوائية لا يهم المدة فقط القيام بتجربة مجنونة والكتابة عنها .
عندما قطع هاروكي مسافة ٢٢ ميلاً يقول وصلت لمرحلة الانهيار : ( كنت أموت عطشاً ولكني فقدت القوة حتى لشرب الماء وحين دارت هذه الأفكار في ذهني بدأت أشعر بالغضب تدريجياً ، بالغضب على الخروف الذي يلوك العشب بسعادة في بقعة فارغة على جانب الطريق ، وبالغضب على المصور الذي يلتقط الصور من داخل الشاحنة . كان صوت الغالق يزعحني ... ) حين قرأت هذا المقطع شعرت حقيقة بشعوره فقد ممرت بتجربة شبيهة وصلت فيها مرحلة من الانهيار حتى ازعجني سماع اسمي كنت اقول لرفيقي قل ما تريد من دون أن تنطق باسمي فالانهيار البدني انهيار كلي . عندما تقترب من خط النهاية تتلاشى كل الأفكار وتدخل في فراغ تسكن اعضاءك تظن قبلها أنك سوف تحتفل وتصرخ فرحاً لكن الأمر خلاف ذلك فخط النهاية ليست إلا علامة مؤقتة بلا أهمية كبرى والأمر نفسه في حياتنا .
#خربشات_أبي_يسرا
