--------------------------( المغناطيس )----------------------------
كراع البقرة جيابه هههه قالها الأستاذ خالد عندما وجد نفسه أمام مقهى العم إدريس عند ناصية مدرسة سواكن الثانوية بنات . كان من عادته أنه في المساء يذهب صوب البحر ليشرب قهوة العصرية منعزلاً عن الحياة سابحا في خيالاته و في بعض الأحيان يرافقه صديقه نادر يلعبان السيجة و يتندران. اه ترى أين هو الآن ؟
هذه المنقطة في الصباحات تعج بالحركة . طالبات المدرسة . الصيادين . عمال صيانة السنابك و صانعي القوارب الصغيرة . لكن في المساءات لن تجد فيها الا الذين يبحثون عن الهدوء و بعض الذين يتعاطون الحب خلسة في هذه المدينة المتهالكة .
حمل بنبراً من المقهى و توجه صوب الشاطئ . هذا المقهى لا يميزه شيئ غير أنه يقع قرب الشاطئ . ااااه تنهد الحياة هنا متوقفة تماماً . نفس البنابر التي كنت أجلس عليها قبل أن أهرب من جحيم هذا السكون . السكون جميل و يبعث في النفس السعادة لكن ذلك بعد جهد و عمل شاق . أما هذا السكون الدائم فإنه يقتل في الإنسان الأمل .
أجال النظر في الشاطئ هنالك قارب يظهر في الأفق سابحا نحو المرسى . كر رجعا بصره نحو القهوة متأملاً النادل عله ان يجد فيه ملامح العم أدريس .
يا معلم عليك الله قهوة و السكر بره
نظر إليه النادل متعجباً من هذا الطلب !
قال : متمتماً كيف يعني السكر بره . نحن اصلا ما بنسكر الجبنه هنا . و الله البلد دي بقت تجيب ناس غرباء . قلها بكنته البجاوية .
بينما كان النادل منشغلاً بإعداد القهوة للأستاذ . كان هو يتأمل منظر التربيزة البلاستيكية المتسخة و آثر القهوة و الشاي باللبن بادية عليها . قال في نفسه مرة آخرى . ( الخل عادتو قلد سياتو ) . قطعت ذبابة عليه حبل تفكيره عندما سقطت على قطعة سكرة في التربيزة و كانت هنالك نملة تحول الوصول إلى تلك الغنيمة .
عندما كان النادل يضع القهوة على المنضدة سمع صوتاً ليس بالغريب عليه كأن هذه اللحظة هي تلك اللحظة التي يفيق فيها الانسان من صدمة أصابته بصدمة آخرى أشد إيلاماً ، ليت لنا آلة نُوقِف بها الزمن فبعض اللحظات مفعولها كالخمرة تجري في مناسم الجسم مسببة نشوة و لذة مع أنها تعطب الإنسان بعد الإفاقة .
رفع رأسه
فإذا بالصوت صوت سلوى
سلام استاذ خااااالد !
هلا مرحب سلوى
كيف عرفتني ؟
هههههههه
عرفتك ....
قال متمتماً بصوت خجول
عيونك دي لو في الف بطلعك .
قالها هامساً لنفسه بدرجة لا يمكن أن يسمعه بها أحد غيره لكنها سمعت أو فهمت العبارة بالعهد الذهني .
غضت بصرها منه .
فقال لها أسف نسيت أنني كنت غائباً مدة طويلة
كانت تحمل طفلاً رضيعا و تجر خلفها جيش من الأطفال . كل شيئ فيها قد تغير إلا صوتها و عيناها الواسعتان . أصبحت بدينة بعد أن كانت رشيقة خفيفة . النساء أمرهن غريب . الواحدة منهن قبل الزواج تحافظ على صحتها و رشاقتها بالرجيم لكن ما إن تتزوج تبحث عن السمنة حتى أنهن لا يفرقن بين النضارة و السمنة . إنه لأمر مغزز تلك السمنة التي تجعل من في سن الثلاثين و كأنه قد بلغ الخمسين .
سلوى كانت نقطة ضفعه الذي جعله يهرب من هذا السكون كانت في السادسة عشرة من عمرها يوم أن شعر بأنوثتها الطاغية تتفجر . لم يستطع أن يستوعب كل ذلك الجمال و الدالا فحاول أن يصرف نظهر عنها فكانت تلك الحركة الفاضحة له .
ما بين سلامها و رده ثواث لكن هذا الثواني كانت بمثابة ساعات فقد استرجع فيها ذكريات مرت عليها السنوات العجاف .
تذكر أول يوم شعر بها أحس بتسارع نبضات قلبه حتى أنه خشي أن يغمى عليه . كان وقتها مدرساً بالمرحلة الثانوية و في مدرسة بنات . رغم خطورة هذه المهنة على شاب أعزب لكنه كان معروفاً بإلتزامه لذا لم تمانع إدارة المدرسة بأن يكون جزء من اصطاف التدريس .
أوكل إليه تدريس مادتي التربية الإسلامية و اللغة العربية للصفين الأول و الثاني . لم يجد صعوبة في اندماجه مع وظيفته أحب مهنته و أخلص لها كان يُحضِر دروسه جيداً و يضفي على الدرس لمسة أدبية فوجد القبول لكنه جعل بينه و بين طلابه مسافة آمنه و قد نجح في سنته الأولى .
بعد اجازة دامة أربعة اشهر عاد الطلاب إلى مدارسهم في شوق يحدوهم الأمل في مستقبل زاهر يغير حياتهم و حياة مدينتهم . عادت سلوى معهم لكنها لم تعد تلك الطفلة التي تجلس في المقدمة تشارك و تتفاعل رجعت بهيئة و بسمت جعل الكل ينظر إليها و يتعجب من مغير الأحوال . كانت نحيفة جداً تثير الشفقة غير أن عينيها يشيان بجمال موروث مع صوت رخيم عندما تغني تنصت المدرسة كلها ذبذبات صوتها له سحر يسري في الأوصال صوتها هو الذي جعلها محل اهتمام من المدرسين لكن أستاذ خالد لم ينتبه و لم يشعر بوجودها الا في السنة الثانية عندما رفعت يدها لتجيب على سؤال أشار إليها .. فقامت بحركة بطيئة كانت تحاول أن تسيطر على هذا الانفجار فهي تدرك خطورتها على من أحولها . تعلم أنها تُولِد في من حولها المشاعر المتضاربة حب و بغض . عندما استوت قائمة أشاح أستاذ خالد ببصره بعيداً عنها متوجها نحو النافذة منصتا لجوابها لكن كان في صوتها شيئ آخر أكثر خطوة لم تمض من الحصة عشرة دقائق لكن الأستاذ شعر بأنه عار الكل ينظر إلى تلك المشاعر التي تولدت فيه لذا اعتذر عن اكمال الحصة متعللاً بصداع مفاجئ .
فسميم في المدرسة بأستاذ صداع لكن المشكلة الكبرى كان ينظر إلى نفسه بأنه خاين و أن الجميع ينظر إليه بإزدراء فقرر في لحظة ضعف أن يترك ذلك السكون .
بعد فراق دام أكثر من خمسة عشراً عاماً و كأنّ الصدفة أرادت أن تُنْكَ جراحه القديمة أو جراحها هي . نسيها و نسيته . الحياة فرضت عليهما قانونها . سافر بحثاً عن رزق أفضل و لما رجع لم يجد من معالم المدينة التي يعرفها شيئاً غير المباني الحكومية . لم يعد يعرف أحداً . أم الذين يعرفونه فكانوا يتذكرنه بعد لأيّ و إعادة لمواقف و حكيات .
في القهوة
يسأل الأمين دبنقا معلم القهوة
يا ركشه الزول دااااك منو ؟
الزول المطرف دااك ؟
أي
يا اخ دا ما أخو أحمد الجوكي .
أحمد أخو انتصار ؟
أي .
لكن ديل عندهم أخو غير سيوسيو ؟
يضحك ركشة يا الأمين انت يا اخ غير البنات و النسوان ما بتعرف زول .
الأمين دبنقا من رواد قهوة ركشة اشتهر في المدينة بأنه يعرف كل نساء و بنات المدينة سواء كانت صالحة أو طالحة . و يعرف اسرهن . في مجتمع يعد هذا من الكبائر . لكن الأمين حالة خاصة كل يخشى منه و من لسانه السليط .
إلا ركشه كان يتعامل معه بخشونة فلا يأبه به و عندما يسأل عن ذلك يقول ركشة حبيبنا .
يا اخ دأ كان في ليبيا . زمااااان كان استاذ .
اااه ايواااا عرفت يا اخ ما تقول لي أستاذ خالد . دا كان زول معلم بحق و حقيقه لكن اسمع الزول دا مالو حصل ليه شنو ؟
هنا تبدأ الحكيات تُحاك حول الاستاذ بعضها أشبه بالأساطير . من يُحِيْكُها و ينسج خيوطها لا أحد يعلم لكن يوما بعد يوم تزداد حوله الغرئب و الحكاوي .
يقص أحد رواد القهوة قصة سمعها قبل سنين حكاها أحد العائدين من ليبيا محملا بخيبات الامل . تنتقل الحكاية من القهوة إلى جلسات النساء في الفرِيْق لكن عندما تصل إليهن تكون قد أصبحت حكيات و هن بدورهن يقمن باضافة بعض البهارات عليها و هكذا تشترك المدينة كلها في صناعة قصهها المجهولة المصدر .
الكل مشغول به الإ هو فلا شيئ يشغله غير الفراغ و البحث عن اجابة لذلك الفرار . 🥱
#خربشات_أبي_يسرا