-------------------‐------( أسرار البادية )-------------------------
3
اقترب صاحب الربابة منّي و قال : ( إن فازت زرقة ستفوز بها ) طنت كلماته في أُذنّي مسببة ربكة في عقلي . إن فازت زرقة ستفوز بها . ما دخل زرقة في حبي ؟
من أين عرف أنني أحاول أصطياد فتمي ملمرو ؟
كلماته تُشبِه طنين بعوضة في ليلة مظلمة . أفْقدتني التركيز . لن يستغرق السباق دقائق في العادة لكنّه كان بمثابة ساعات في مُخيلتي . أصوات الخيول تقترب من خط النهاية الزغايرد ترتفع تصفيق من هنا و سبٌّ من هنالك . اجتاز الفرسان خط النهاية بسرعة البرق لم أكن متابعاً للسباق . و لا تهمني النتيجة كما أخبرتكم لكن كلام صاحب الربابة جعلني أنتبه . و أبحث عن العلاقة بين حبي و فوز المهرة ( زرقة ) . كان كل تفِكْيري منصباً نحو هذه البدوية المنفعلة مع السباق تزغرد و تشتم في آن واحد . انفرجت أسارر وجهها و قالت : هذه المهرة نعرفها كابرا عن كابر و قد توارثت الفوز كما يتوارث الناس الأموال . موجهة حديثها ( لفتمه زرو ) إلتفتُ بدوري نحوها تذكرتُ كلمات الفنان عمر إحساس بإيقاعه السريع "زولي الأخضر كان شُفْتُ بخضر " فتاة فارعة الطول خضراء واسعة العينين . عليها الإبتسامة جميلة مشتهاة لكن يظهر أنها من الداخل تحمل أحزاناً و أوجاعاً . هكذا خُيِل إليّ .
فهمت من حديثها المضاد لفاتنتي ( ملمرو ) أنها تشجع ( دهباية ) حِمية لإبن عمها و طليقها السابق . هولاء البدو لهم ولاء عجيب . يدافع أحدهم و يموت في سبيل القبيلة و العصبة . و عندما تجالسهم تجدهم يُكِنُون للبعضهم البعض الحسد و البغض . هكذا هي الصحراء تجمع بين الأضداء .
قالت ل ( فتمه ملمرو ) في عبارات موجزة و مشفرة تشبه عبارات ( الأزه ) الحدادة .
قتلت الفرسه
ردت . . .
أصل ميت
قالت . . .
لو هو وقع ذنب الفرسه شنو
ردت . . .
بكلمات أشبه بالتمتمة مع إبتسامة خجولة ..
فقالت ( فتمه زرو ) تجيبو السكر و لا نجيبو
غرقتُ في تلك المحادثة و هومت في أحلامي مؤولاً كل حرف إلى معناً يوافق هواي . قطع علي ذلك الحلم صوت مشاجرة نشبتْ بين اثنين من المشجعين كانت الأصوات تعلو و تهبط بين مشجع للعراك و بين حجاز ، كِبار القوم في مجلسهم لم يحرك السباق و لا المشاجرة فيهم شعرة . غير ابتسامات و إشارات مبهمة كانوا في أُنس حميم يتذكرون أيام كانوا هم الفرسان و كان للسباق طعم آخر كما يقولون ، دائما ما تفخر الأجيال السابقة على الآحقة . و لا يحترفون لهم بشيئ . الحياة عند الكبار أحاديث و ذكريات .
وجدتُ لحظة انشغال الجمهور بالمشاجرة فرصة ذهبية لأخاطب ( مهرتي ) اقتربت منها بحيث أستطيع أن أهمس في أذنها من دون أن يلحظ أحدهم ،
سلام ( فتمي )
هلا ( دقي مار )
..
..
أاااه
كيف سمحت لنفسها أن تنادي بأخاها الكبير . ألم تقرأ ما يعتلج في فؤادي ؟
......
أااه
لا أدري كم استغرق مني التفكير في تلك الكلمة البلهاء و الطلب المفاجئ
قلت لها بكل بلادة
عاوز أشرب معاك شاي
و نتونس شويه .
ثم غادرتها لا أدري أكان ذلك هو تصرفي أم تصرف البيئة التي تفرض نفسها علي ؟
تركتها منتشياً بلحظة الإقدام و لم أنتظر ردها ،
أظن أنني اقتبست ذلك التصرف من أحاديث الشباب و قصصهم الرومانسية كانواْ دائما ما يربطون مجالس السمر بشرب الشاي الأخضر . لكن لم أكن أعرف طريقة عرضهم و لا كيف يوقعون الأنثى في حبائل ودهم .
فازت المهرة ( زرقة ) على دهباية بتقدم لا يذكر حتى أن بعض المشجعيين المتعصبين عزا ذلك الفوز لوقوف الحكم صاحب الربابة ( ماأليمي ) مع زرقة و أن الفرسين كانا متساويين لحظة عبورهما خط النهاية و إن كانت ( زرقة ) متقدمة بصدرها في الأمتار قبل الأخيرة .
سريعاً ما انتهى السباق لكن تظل ذكراها قائمة ، و المغالطات حولها دائرة حتى يتوج بطل آخر و تشتهر في الآفاق ( مهرة ) أخرى .
دن دن دن دن .
تت تت تت دن ددن دن تتت
بدأ الشباب يتجمعون حول ( ألي ) ضارب ( النقره ) و العازف الماهر ( للتول ) مظاهر الفرح لم تنتهي بالسباق ففي كل مناسبة تقام . يقوم هذا الشاب النحيف صاحب البسمة الجميلة و النظرة النافذة التي تُظْهِر شخصيته رغم كدموله الذي أخفى جُل ملامحه بالضرب على دف كبير _ يسمونه ( نقره ) مصنوع من جلد بقرة لف على لَسْتِك قديم لا أدري من أين تحصلوا على ذلك اللستك _ كان يضرب بإيقاع سريع جداً . يرقص على إثره الشباب من الجنسين . يعرفون كل نغمة و الأغنية المُلحنة عليها الإيقاع . و لكن من دون أن يغني معها أحد فقط يرقصون ، و يدندن المشاهدون مع الإيقاع . كل ما ينتهي( ألي ) من نغمة ينبري أحد الشباب بذكر اسم فتاة فيقوم ( ألي ) بتحويل الإيقاع . عندها تلاحظ الهمسات و اللمزات .
تمعنت في وجوه الحاضرين فلم أجد من بينهم الشِياب . ترى أين هم من هذا اللهو الجميل ؟
تذكرتُ ( سيدنا ) تُرى أين هو الآن ؟ هل عاكف مع مهاجريه ( طلاب القرآن ) يصحح لهم ألواحهم أم ممسكاً بسبحته يتلو صلاة الفاتح ؟
ثَمِل الشباب و سكرواْ كانواْ في حالة تشبه حالات الإنجذاب عند الدراويش ، الحلقة كانت شبه خاوية عندما نزعت فتاة توبها و نزلت الساحة ترقص بغنج مظهرة أنوثة لا مثيل لها ، ملِت على أحدهم وسألته مَنْ هذه ؟
هههه ههه
ضحك و قال ألا تسمع النقره ؟
كانت ضحكته تحمل معاني السخرية .
أرهفتُ السّمع علني أعثر على اسمها في ذلك الإيقاع السريع .
فإذا بالنقره يقول في نهاية كل مقطع ( فَنْنِيه فَنْنِيه ) .
إلتفت إليه و قلت له فَنْنيه
أشار برأسه أن نعم و كأنني أقطع عليه لحظات لا تعاد .
كنتُ الوحيد الذي لم يجد اللذة و الإندماج مع الإيقاع و إن أبهرتني ( فننيه ) برقصتها ، و فتنتني بأنوثتها المُخيفة ، نعم كانت جميلة جمالاً مُخيفاً ، لونها القمحي الفاتح ، دَقْة شِفْتِها الذي يجمع بين لونين ، أخضر غامق يميل إلى السواد . مع نعومة يُخال إلى الناظر أنها تستعمل مرطباً حديثاً . الزمام في أنفها . تسريحة شعرها الذي يشبه البوب . كانت عاطلا إلا من جمالها الطبيعي . شيئ ما في عينيها الواسعتين يقذف في القلوب وجلاً مشوباً بعاطفة الميل إلى الجمال .
حتى أنني تذكرت جان جاك روسو في تلك اللحظة فلو لم أكن قد شُغِلت ب( فتمي ملمرو ) لكنت الآن صريع جمال ( فننيه ) . الفضول لا يتركني أن أستقر في مكان واحد أريد أن أعرف كل شيئ ماذا تفعل النساء في لحظة كهذه أتراهن يجترن ذكريات الصبا الآفل و يندُبْن شبابهن ؟ و الكهول من الرجال ألا يثير فيهم الطرب نزق المراهقة ؟ فحلقة النقره محصورة على الشباب و الأطفال فقط . انسحبتُ منها ، و الأسئلة تملؤ رأسي أريد أن أعرف المزيد عن ( فننيه ) عن ألحان ( النقره ) عن ضاربها ، لو كان( ماأدي ) معي لأشبع فضولي ، لكنه مُنْشغل مع ( زرقه ) .
بدأتِ الشمس تنحسب من الأفق مرسلة أشعة صفراء تشبه رمال الصحراء ، خيوط الشفق الرقيقة كأنها ترسل دموعا حزينة على توديع ذلك الحفل .
أسراب المواشي بدأت تغزو القرية . في تؤدة . تسمع هناك ثغاء نعجة ، و من اتجاه آخر تسمع زغرودة جمل يعلن فحولته . مِلتُ إلى الجهة التي كان يجلس فيها الكِبار فإذا بصوت ( التُول ) الربابة يسبقني مبشراً بجو آخر من مظاهر الفرح ، ( دِيْ مار . . . دي مار ) .
خالو محمد خالو محمد
إلتفت إلى الصوت كانت ( هرمطه أدي ) تصيح منادية إياي
هلا بنت أختي
قالت رسلتني ( فتمه زرو ) .
قالت ليك .
يا ريت تشرفنا الليلة تشرب معانا الشاي و السكر علينا .
و ولت هاربة تاركة خلفها جوابي
.
.
.
يتبع .........