Translate

نزهة في كتب السير الذاتية / إبراهيم أحمد إبراهيم

 ==========( نزهة في كتب السير الذاتية )============

                                        1


القراءة في كتب السير الذاتية تكشف لك حجب النفوس و تجعلك تفكر في دراسة طبائع البشر و تصرفاتهم ، و طريقة تعاملهم مع المواقف ، و تفتح لك كوة نحو نفسك . 

اعترافات جان جاك رسو ، من السير الذاتية الشفافة جداً غير أنها كُتبت في بيئة لا تشبه بيئاتنا . سيرة مقلقة باعثة على الاسئلة المزعجة . حتى أنك قد تسأل نفسك . 

مَنْ أنا ؟

هل حقاً أعرف نفسي ؟ 

هل أستطيع أن أكون شفافاً معها متسامحاً في مناقشتها و تحديد نقاط ضعفها  ؟

  و كذلك تُوْقد في الإنسان العزائم ، و تجعله يتذكر العقبات الصغيرة التي صدته عن أهدافه . على الجسر بين الحياة و الموت سيرة ذاتية مفعة بالحب ، تخطت صاحبتها العوائق المجتمعية للتتبوء منزلة عالية في مجتمع لا يعترف بنبوغ المرأة .

   من الجميل جداً أن تكتب المرأة عن من تحب بأسلوب أدبي رفيع مع المحافظة على الحياء الشرقي . سيرة بنت الشاطئ من أصدق السير الذاتية .

   غبار السنين للأستاذ عمر فروخ . تربية و تعليم . فالرجل مضمخ بالتجارب التعلمية ثري بالمعارف . ثاقب النظر . مهتم بتخصصه لا يخرج عنه إلا ليعود إليه بالنفع و الفائدة . و هو عبارة عن مقالات نشرت في الصحافة ثم جمعت في كتاب ، 

  أنا العقاد . الأستاذ محمود العقاد لا يكتب إلا بعد أن يقتل الموضوع بحثاً حتى في سيرته الذاتية كان دقيقاً و باحثاً يربط المواقف الشخصية بالعلوم الإنسانية . سيرة فيلسوف في ايهاب أديب .

   طفل من القرية . سيد قطب ، تذكرك بالأيام و ما أدراك ما الأيام . قيل أن فن السير الذاتية بدأت بالأيام و انتهت بها . يقول سيد في الإهداء " إلى صاحب كتاب الأيام . . الدكتور طه حسين بك . إنها يا سيدي أيام كأيامك ، عاشها طفل في القرية . في بعضها من أيامك مشابه . و في سائرها عنها اختلاف " فطفل من القرية يعود بك إلى الريف و الكتاتيب  ، تذكرك بطفولتك . فحيوات الريف متشابهة و العادات متقاربة .  

العفن سيرة ذاتية للأستاذ مالك بن نبي يُؤرخ فيه لبواكير حياته . و العنوان مثير ( العفن ) و غريب . لكنه يحمل المعنى الذي أراده الكاتب . و يلخص معاناة الكاتب في بداياته الفكرية يقول : " رأيت النور في سنة ١٩٠٥م أي في زمن خطا فيه المجتمع الجديد أولى الخطوات . فأنا أنتمي إذن إلى الجيل السيئ الذي ختم طور التحلل الذي ألم بالحضارة الإسلامية و يأذن لعصر جديد يختلط فيه نوعان من العفن . الإستعمار ، و القابلية للإستعمار " ص ١٣ . 

   يتبع .......

#خربشات_أبي_يسرا

أسرار البادية 3/ إبراهيم أحمد إبراهيم

 -------------------‐------( أسرار البادية )-------------------------

                                         


                                         3

اقترب صاحب الربابة منّي و قال : ( إن فازت زرقة ستفوز بها ) طنت كلماته في أُذنّي مسببة ربكة في عقلي . إن فازت زرقة ستفوز بها . ما دخل زرقة في حبي ؟ 

 من أين عرف أنني أحاول أصطياد  فتمي ملمرو   ؟

  كلماته تُشبِه طنين بعوضة في ليلة مظلمة . أفْقدتني التركيز . لن يستغرق السباق دقائق في العادة لكنّه كان بمثابة ساعات في مُخيلتي . أصوات الخيول تقترب من خط النهاية الزغايرد ترتفع تصفيق من هنا و سبٌّ من هنالك . اجتاز الفرسان خط النهاية بسرعة البرق لم أكن متابعاً للسباق . و لا تهمني النتيجة كما أخبرتكم لكن كلام صاحب الربابة جعلني أنتبه . و أبحث عن العلاقة بين حبي و فوز المهرة ( زرقة ) . كان كل تفِكْيري منصباً نحو هذه البدوية المنفعلة مع السباق تزغرد و تشتم في آن واحد . انفرجت أسارر وجهها و قالت :  هذه المهرة نعرفها كابرا عن كابر و قد توارثت الفوز كما يتوارث الناس الأموال . موجهة حديثها ( لفتمه زرو ) إلتفتُ بدوري نحوها تذكرتُ كلمات الفنان عمر إحساس بإيقاعه السريع "زولي الأخضر كان شُفْتُ بخضر " فتاة فارعة الطول خضراء واسعة العينين . عليها الإبتسامة جميلة مشتهاة  لكن يظهر أنها من الداخل تحمل أحزاناً و أوجاعاً . هكذا خُيِل إليّ . 

    فهمت من حديثها المضاد لفاتنتي ( ملمرو ) أنها تشجع ( دهباية ) حِمية لإبن عمها و طليقها السابق . هولاء البدو لهم ولاء عجيب . يدافع أحدهم و يموت في سبيل القبيلة و العصبة . و عندما تجالسهم تجدهم يُكِنُون للبعضهم البعض الحسد و البغض . هكذا هي الصحراء تجمع بين الأضداء .

قالت ل ( فتمه ملمرو ) في عبارات موجزة و مشفرة تشبه عبارات ( الأزه ) الحدادة . 

قتلت الفرسه 

ردت . . . 

أصل ميت 

قالت . . .

لو هو وقع ذنب الفرسه شنو 

ردت . . .

بكلمات أشبه بالتمتمة مع إبتسامة خجولة .. 

  فقالت ( فتمه زرو )  تجيبو السكر و لا نجيبو

غرقتُ في تلك المحادثة و هومت في أحلامي مؤولاً كل حرف إلى معناً يوافق هواي . قطع علي ذلك الحلم صوت مشاجرة نشبتْ بين اثنين من المشجعين كانت الأصوات تعلو و تهبط بين مشجع للعراك و بين حجاز ، كِبار القوم في مجلسهم لم يحرك السباق و لا المشاجرة فيهم شعرة . غير ابتسامات و إشارات مبهمة كانوا في أُنس حميم يتذكرون أيام كانوا هم الفرسان و كان للسباق طعم آخر كما يقولون ، دائما ما تفخر الأجيال السابقة على الآحقة . و لا يحترفون لهم بشيئ . الحياة عند الكبار أحاديث و ذكريات .

    وجدتُ لحظة انشغال الجمهور بالمشاجرة فرصة ذهبية لأخاطب ( مهرتي ) اقتربت منها بحيث أستطيع أن أهمس في أذنها من دون أن يلحظ أحدهم ، 

سلام ( فتمي ) 

هلا ( دقي مار )

..

..

أاااه

 كيف سمحت لنفسها أن تنادي بأخاها الكبير . ألم تقرأ ما يعتلج في فؤادي ؟

......

أااه 

لا أدري كم استغرق مني التفكير في تلك الكلمة البلهاء و الطلب المفاجئ

قلت لها بكل بلادة 

عاوز أشرب معاك شاي

و نتونس شويه .

ثم غادرتها لا أدري أكان ذلك هو تصرفي أم تصرف البيئة التي تفرض نفسها علي ؟ 

   تركتها منتشياً بلحظة الإقدام و لم أنتظر ردها ،

 أظن أنني اقتبست ذلك التصرف من أحاديث الشباب و قصصهم الرومانسية كانواْ دائما ما يربطون مجالس السمر بشرب الشاي الأخضر .  لكن لم أكن أعرف طريقة عرضهم و لا كيف يوقعون الأنثى في حبائل ودهم . 

       فازت المهرة ( زرقة ) على دهباية بتقدم لا يذكر حتى أن بعض المشجعيين المتعصبين عزا ذلك الفوز لوقوف الحكم صاحب الربابة ( ماأليمي ) مع زرقة  و أن الفرسين كانا متساويين لحظة عبورهما خط النهاية و إن كانت ( زرقة ) متقدمة بصدرها في الأمتار قبل الأخيرة .

      سريعاً ما انتهى السباق لكن تظل ذكراها قائمة ، و المغالطات حولها دائرة حتى يتوج بطل آخر و تشتهر في الآفاق ( مهرة ) أخرى .

      دن دن دن دن . 

تت تت تت دن ددن دن تتت 

   بدأ الشباب يتجمعون حول ( ألي ) ضارب ( النقره )  و العازف الماهر   ( للتول ) مظاهر الفرح لم تنتهي بالسباق ففي كل مناسبة تقام . يقوم هذا الشاب النحيف صاحب البسمة الجميلة و النظرة النافذة التي تُظْهِر شخصيته رغم كدموله الذي أخفى جُل ملامحه بالضرب على دف كبير _ يسمونه ( نقره ) مصنوع من جلد بقرة لف على لَسْتِك قديم لا أدري من أين تحصلوا على ذلك اللستك _ كان يضرب بإيقاع سريع جداً . يرقص على إثره الشباب من الجنسين . يعرفون كل نغمة و الأغنية المُلحنة عليها الإيقاع . و لكن من دون أن يغني معها أحد فقط يرقصون ، و يدندن المشاهدون مع الإيقاع . كل ما ينتهي( ألي ) من  نغمة ينبري أحد الشباب بذكر اسم فتاة فيقوم ( ألي ) بتحويل الإيقاع .  عندها تلاحظ الهمسات و اللمزات .

تمعنت في وجوه الحاضرين فلم أجد من بينهم الشِياب . ترى أين هم من هذا اللهو الجميل ؟

  تذكرتُ ( سيدنا ) تُرى أين هو الآن ؟ هل عاكف مع مهاجريه ( طلاب القرآن ) يصحح لهم ألواحهم أم ممسكاً بسبحته يتلو صلاة الفاتح ؟  

  ثَمِل الشباب و سكرواْ كانواْ في حالة تشبه حالات الإنجذاب عند الدراويش ، الحلقة كانت شبه خاوية  عندما نزعت فتاة توبها و نزلت الساحة ترقص بغنج مظهرة أنوثة لا مثيل لها ، ملِت على أحدهم وسألته مَنْ هذه ؟

هههه ههه


ضحك و قال ألا تسمع النقره ؟

كانت ضحكته تحمل معاني السخرية .

أرهفتُ السّمع علني أعثر على اسمها في ذلك الإيقاع السريع . 

فإذا بالنقره يقول في نهاية كل مقطع ( فَنْنِيه فَنْنِيه ) . 

إلتفت إليه و قلت له فَنْنيه 

أشار برأسه أن نعم و كأنني أقطع عليه لحظات لا تعاد .

كنتُ الوحيد الذي لم يجد اللذة و  الإندماج مع الإيقاع و إن أبهرتني ( فننيه ) برقصتها ، و فتنتني بأنوثتها المُخيفة ، نعم كانت جميلة جمالاً مُخيفاً ، لونها القمحي الفاتح ، دَقْة شِفْتِها الذي يجمع بين لونين ، أخضر غامق يميل إلى السواد . مع نعومة يُخال إلى الناظر  أنها تستعمل مرطباً حديثاً . الزمام في أنفها . تسريحة شعرها الذي يشبه البوب . كانت عاطلا إلا من جمالها الطبيعي . شيئ ما في عينيها الواسعتين يقذف في القلوب وجلاً مشوباً بعاطفة الميل إلى الجمال . 

حتى أنني تذكرت جان جاك روسو في تلك اللحظة فلو لم أكن قد شُغِلت ب( فتمي ملمرو ) لكنت الآن صريع جمال ( فننيه ) .    الفضول لا يتركني أن أستقر في مكان واحد أريد أن أعرف كل شيئ ماذا تفعل النساء في لحظة كهذه أتراهن يجترن ذكريات الصبا الآفل و يندُبْن شبابهن ؟ و الكهول من الرجال ألا يثير فيهم الطرب نزق المراهقة ؟ فحلقة النقره محصورة على الشباب و الأطفال فقط . انسحبتُ منها ، و الأسئلة تملؤ رأسي أريد أن أعرف المزيد عن ( فننيه ) عن ألحان ( النقره ) عن ضاربها  ، لو كان( ماأدي ) معي لأشبع فضولي ، لكنه مُنْشغل مع (  زرقه ) .

   بدأتِ الشمس تنحسب من الأفق مرسلة أشعة صفراء تشبه رمال الصحراء ،  خيوط الشفق الرقيقة كأنها ترسل دموعا حزينة على توديع ذلك الحفل .

 أسراب المواشي بدأت تغزو القرية . في تؤدة . تسمع هناك ثغاء نعجة ، و من اتجاه آخر تسمع زغرودة جمل يعلن فحولته . مِلتُ إلى الجهة التي كان يجلس فيها الكِبار فإذا بصوت ( التُول ) الربابة يسبقني مبشراً بجو آخر من مظاهر الفرح ، ( دِيْ مار . . .  دي مار ) . 

خالو محمد خالو محمد 

إلتفت إلى الصوت كانت ( هرمطه أدي ) تصيح منادية إياي 

هلا بنت أختي

قالت رسلتني ( فتمه زرو ) . 

قالت ليك . 

يا ريت تشرفنا الليلة تشرب معانا الشاي و السكر علينا . 

و ولت هاربة تاركة خلفها جوابي 

.

.

.

يتبع .........

من دفتر اليوميات / إبراهيم أحمد إبراهيم

 #من_الكشكول


يقضي الإنسان أوقاتاً كثيرة يحاور فيها نفسه و يُثمر فيها مشاريعه المستقبلية ، و قد تضيع عليه تلك المحاورات سداً لأنّه لم يُوثقها ، لكن عندما تحاور نفسك عبر الكتابة . تجد  أفكارك منظمة و كلماتك معبرة . تفكر بجِدٍ و تبحث عن الحلول بطريقة عقلانية . 

لأنك تحاور مخلوقاً لا ينسى

الورق 

#خربشات_أبي_يسرا

السبيل إلى البيان / الأستاذ فيصل المنصور

------------------السبيل إلى البيان--------------

في تحصيل البيان
نُشر في المجلة الثقافية في 29/ 5/ 1431هـ.
سألتَني – وفَّقك الله - أن أهديَك إلى سبيلِ البيانِ وأن أدلَّك على كتبه التي يُتوصَّلُ إليه بها. ولستُ أجهلُ أنه لم يبعثك على هذا السؤالِ إلا حسنُ ظنِّك بي وجودةُ رأيِك فيَّ. ولكنَّ هذا الحسنَ وهذه الجودةَ لا يُحمَدانِ إذا هما أصابا غيرَ موضعِهما وكانا ذريعةً إلى تسويةِ المحسنِ بالمسيء وإلحاقِ المقصِّر بالسابقِ. وإنِّي لأكرَه أن أدَّعيَ ما ليس لي بحقٍّ أو أنتحلَ ما أعلمُ من نفسي خلافَه فأزعُمَ أني من البلغاء إذا عُدَّ البلغاء، أو من الأدباء إذا قيلَ: مَن الأدباء؟ وما حاجتي إلى صنعةٍ محارَفٍ كسبُها مُصَرَّدٍ رزقُها صاحبُها طويلُ العَناء في باطلٍ كثيرُ التفكير في غير طائلٍ، يتكلَّمُ في كلِّ علمٍ ثقةً منه بقلمِه وبيانِه وإدلالاً منه بقوةِ حجاجِه وخِلابة منطقِه، ثم هو مُدافَع عن هذه العلومِ كلِّها غيرُ مسلَّمٍ له من أهلِها، فلا الفقهاءُ يعترفون بانتسابِه إليهم، ولا المفسِّرون يعدُّونه منهم، ولا النُّحاةُ يرضونَ أن يكونَ أحدَهم. وكذلكَ أهلُ كلِّ علمٍ، فهو كما قالَ أبو الطيِّب اللُّغويُّ في (مراتبه):
يتعاطَى كلَّ شيٍّ ** وهو لا يُحسِن شيَّا
تراهُ يتحدَّثُ عن الزهَّاد والصُّلحاء ويحصي مناقبَهم ويروي أخبارَهم فتظنُّه الحسنَ أو ابنَ أدهَمَ، ثمَّ لا تلبثُ أن تراهُ يصِفُ المُجَّان والخُلعاء ويذكرُ طرائِفَهم ويحكي مُلَحهم، فلا تَشُكُّ أنه مِن أصحابِ أبي نُواس أو من نَدامَى ابنِ الحُبابِ. وتراهُ يذكرُ أخبارَ المغنِّين وبدائعَ أصواتِهم ومستحسَن ألحانِهم ويُظهِر العُجْبَ بهم والثناء على مذهبِهم، فتظنُّه صاحبَ معبدٍ وموضعَ سرِّه وصفيَّه ونجيَّه، ثمَّ إذا هو يتحوَّل إلى ذكرِ القُرَّاء ويستقصي حكاياتِهم ويَروي لك نوادرَهم ويُكثِر الشكوَى من أدعيائهم والدُّخلاء فيهم من مَّن يتخذونَ القراءة سبيلاً ينالونَ به عرضَ الدُّنيا ويأكلون به أموالَ الناس، فيقع في وهمك أنه من خُلَّصِ أصحاب نافعٍ أو عاصمٍ أو محمدٍ أبي القاسم.
ثمَّ إنَّ أمرَ الأديبِ لا يقومُ إلا بالكذب في القول والتزيُّد في الكلام، وزخرفتِه وتزيينه. يسمَعُ الخبَر الصغيرَ التافه فلا يَزالُ ينمِّيه ويصِله بشَتَّى الوُصَلِ حتى يكونَ أخبارًا، وتمرُّ به الحجةُ الرِّخوة المتهتِّكة فيُكِبُّ عليها ينفُخ فيها ويرتُقُ ثآها ويحتالُ لها بوجوهِ الحيلِ حتى يجعلَها في أعينِ الناسِ قويَّةَ النسجِ محكَمة الإبرام. فهذا بيان صنعةِ الأدبِ. وهي كما رأيتَ صنعة قِوامُها الكذب وركنُها الذي تنهَضُ به التزيُّد والمغالطة. فهل فيها بعدَ ذلكَ مرغَبٌ؟
فأما إذا زعمتَ أنَّك لا تريدُ أن تكونَ أديبًا، وإنما غرضُك أن تحوزَ من حسنِ الأسلوب ورشاقةِ العِبارة وحلاوةِ اللفظِ بمقدار ما تُبين به عن حاجاتِك وتنفِّقُ به آراءَك وتستميل قلوبَ الناسِ إلى ما عندَك من الحقِّ، لا تلِطُّ دونه بباطلٍ، ولا تمذقُه بكذبٍ، ولا تستعين به على تقريرِ مذهبٍ فاسدٍ أو نحلةٍ زائغةٍ فإنِّي أذكرُ لك سبُلاً تبَلّغُك بعضَ ما سألتَ وتضعُ يدَك على ما أردتَّ إن شاءَ الله تعالى وإن كنتُ قدَّمتُ لك بعذري وكشفتُ لكَ عن داخلة أمري.
أيُّها السائلُ الكريمُ:
إن صحَّ منكَ العزمُ على أن تكونَ بليغًا إذا كتبتَ فصيحًا إذا حاضرتَ وأن يكونَ لفظك أنيقًا ومعناكَ بِكرًا وأسلوبُك حُوَّلاً مُتصرِّفًا فأقبل عليَّ بسمعِكِ وقلبِك، فإني مهديكَ من نصحي محضَه ومتخيِّرٌ لكَ من تجرِبتي لبابَها. ولا يَحملنَّك مكانُ العادةِ من نفسِك على أن تستوحشَ من مَّا لا تعرف أو تنقبِض عن مَّا لم تألف.
مِلاكُ البلاغة والبيان لفظٌ حسنٌ ومعنًى فائقٌ وأسلوبٌ رائقٌ. فإذا أردتَّ أن تحصِّلَهما فأحكم هذه الأمورَ الثلاثةَ وتعهَّدها من نفسك وانظر ما أدركتَه منها.
وكأنِّي بك تسألني عن السبيلِ لذلكَ. فأقول:
ابدأ آثِرًا مَّا بالنحو والصرف، فالتمس من علمِهما ما يقيمُ كلامَك ويعصِمُك من اللَّحن.
ثمَّ تحفظ بعد ذلك جملةً من ألفاظِ العربيَّة حتى تكونَ لك ذخرًا ترجِعُ إليه عندَ الحاجة إلى معرفةِ أسماءِ الأشياءِ وأنواعِها والتمييزِ بينَ درجاتِها وأحوالِها. وخيرُ ما أدلُّك عليه في ذلكَ كتبُ غريب الحديث ككتاب أبي عبيدٍ القاسم بن سلامٍ أو كتاب ابن قتيبة أو الخطَّابي أو الزمخشريِّ أو ابن الأثير. وكتابُ أبي عبيدٍ يفضُلُها لتقدُّمِه واعتمادِه على التلقِّي عن كبارِ العلماء كأبي عبيدةَ وأبي زيد والأصمعيِّ والكسائيِّ.
وتقرأ أيضًا في معجمات العربية المصنَّفة على الحروف. ومن أجلِّها وأصحِّها (تهذيب اللغة) لأبي منصور الأزهريِّ، فإنَّه كان ناقدًا، وكانَ طويلَ الأناة شديدَ التحرِّي في ما يَروي. وله حكاياتٌ عن الأعرابِ. وفي مقدِّمته التي افتتحَ بها كتابَه علمٌ غزيرٌ وفوائدُ جمَّةٌ.
وتقرأ أيضًا في معجماتِ العربيَّة المُدارةِ على المعاني. وهي على نحوين، فنحوٌ منها يعقِدُ البابَ ثم يذكرُ ما ينساقُ تحتَه من الألفاظِ ذاتِ المعنَى الواحدِ. ونحوٌ يذكرُ الألفاظَ في جمَلٍ تامَّةٍ ابتغاءَ التيسيرِ على الكتَّابِ والمتأدِّبين. فأمَّا النحو الأول من الكتب فرائِدُها وسيِّدُها كتاب أبي عبيدٍ (الغريب المصنَّف) ثم كتاب (التلخيص في معرفة أسماء الأشياء) لأبي هلالٍ العسكريِّ لتقدُّمِه. ولا أغضُّ من (فقهِ اللغة) لأبي منصور الثعالبيِّ، فإنه غايةٌ في هذا الباب، وكذلكَ (المخصّص) لابن سيده، فإنَّه أوسعُها سَعةً وأجمعُها للعربيِّ القديمِ من الألفاظ. ولا أنصحُ بـ(كفاية المتحفظ) لابن الأجدابيِّ، فإنَّه يباعد القارئ عن فَهمِ الكلامِ العربيِّ ومعرفةِ فروقِ ما بينَ الألفاظِ على وجهِ التحقيقِ لما فيه من شِدَّة الإيجازِ الذي ربَّما أفضَى إلى الخلط والخطأ. ولهذا الأمرِ قدَّمتُ كتبَ غريبِ الحديثِ إذْ كانَت الألفاظُ فيها تُقرَأ في سياقاتِها، فيكون هذا أسرعَ في الحفظِ وأدنَى إلى الفَهم. وأمَّا النحو الثاني فعليكَ بكتابِ (الألفاظ الكتابية) للهمَداني. ومِن الكتب الحديثةِ (نُجعة الرائد) لإبراهيمَ اليازجيِّ.
فإذا أنت أطلتَ النظرَ وأدمنتَ الفِكرةَ في هذه الكتبِ التي عرضتُها لك، كلَّ ذلكَ تُردِّدها بصوتٍ مسموعٍ وتتحسَّسُ معانيَها على وجوهِها وتتقرَّاها يداكَ بلَمسٍ فقد استوثقتَ من هذا البابِ بابِ الألفاظِ وخرجتَ منه أبجرَ الحقيبةِ، فمِلْ إلى البابِ الذي بعدَه، وهو بابُ المعاني. وفائدةُ هذا البابِ أنَّه يُمكِّنك من تجليةِ أفكارِك وتوضيحِها والاحتجاجِ لها، ويبسُطُ ذرعَك في تشقيقِ الكلام ويَزيدُ في مادَّتك، ويقوِّي مقدرتك على حسنِ التذوقِ ودِقَّة التأمُّلِ. ومن أمثلِ كتب المعاني كتاب (المعاني الكبير) لابن قتيبة و(الموازنة بين أبي تمَّام والبحتريِّ) للآمديِّ و(الأشباه والنظائر) للخالديَّين و(الوساطة بين المتنبي وخصومه) للقاضي الجرجاني و(المنصف) لابن وكيع و(ديوان المعاني) لأبي هلال العسكري.
فإذا لبثتَ زمانًا من دهرك تتقلَّبُ بين هذه الكتب وتنفُذُ إلى صميمها وتشاركُ مؤلِّفيها آراءَهم مؤيِّدًا ومخالفًا وتضمُّ المعنَى منها إلى شكلِه والنظيرَ إلى نظيرِه وتُحسِن المفاضلةَ بينها فقد نِلتَ شطرًا كبيرًا من الفقهِ بالمعاني والبصرِ بها. ويحسُن حين إذٍ أن تقرأ في الكتب التي تشدُّ أيدَك في البحثِ القاصدِ والاستدلالِ الصائبِ ودرك الحجةِ وتحقيقِ المسائلِ ونقدِها. ومنها (كتابُ سيبويه) و(رسالة الشافعيِّ) و(الحيَوان) و(البخلاء) و(الرسائل) للجاحظ و(تفسير الطبريِّ) و(الخصائص) لابن جنِّي و(دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) لعبدِ القاهرِ الجرجانيِّ. ومن الكتب الحديثة كتاب (على السفود) للرافعيِّ وكتابا محمود شاكر (نمط صعب ونمط مخيف) و(أباطيل وأسمار).
وبذلك تستكمِل آلةَ هذا الباب إن شاء الله.
فأمَّا الكتبُ التي ترتاض بها على جودةِ الأسلوب وعلى التصرُّف في فنون البلاغة والتي تُزلِفُك إلى محاسنِ البيان فأولُها كتابُ الله عزَّ وجلَّ ثم (نهج البلاغةِ) المنسوب إلى عليّ رضي الله عنه و(القصائد السبع) بشرح أبي بكرٍ الأنباريِّ و(المفضليات) بشرح أبي محمدٍ الأنباريِّ و(أشعار الستة الجاهليين) بأي شرحٍ و(ديوان الحماسة) بشرح المرزوقي و(البيان والتبيين) للجاحظ و(الكامل) للمبرَّد، و(الأمالي) لأبي عليٍّ القالي مع (اللآلي) لأبي عبيدٍ البكريِّ بتسميطِ الميمنيِّ و(زهر الآداب) للحُصْريِّ و(مقامات الحريريِّ).
ثمَّ هناكَ بعدُ كتبٌ أخرَى تُقسَّم بحسَب الغالب عليها إلى أقسامٍ مختلفةٍ. فمنها ما تستفيدُ منه أسلوبَ الأدبِ والحكمةِ كـ(الأدب الكبير) و(الأدب الصغير) لابن المقفَّع و(ديوان أبي تمَّام) و(ديوان المتنبي) و(سقط الزّند) و(اللزوميات) لأبي العَلاء.
ومنها ما تستفيد منه أسلوبَ القصص وسياقة الأخبار كـ(كليلة ودمنة) لابن المقفع وكتاب (الأخبار الطوال) لأبي حنيفة الدينوريِّ و(تاريخ الطبريِّ) و(الأغاني) لأبي الفرج الأصفهانيِّ. ومن كتب المحدَثين (عبَرات المنفلوطيِّ) والروايات التي ترجَمَها و(قصص من التاريخ) و(قصص من الحياة) و(الذكريات) للطنطاويِّ.
ومنها ما تستفيد منه أسلوبَ المقالة كـ(نظرات المنفلوطيِّ) و(وحي القلم للرافعيِّ) و(وحي الرسالة) للزيَّات.
أمَّا العملُ في كتب هذا الباب فعلَى وجوهٍ مختلِفةٍ، فمن الفِقَرِ ما تكتفي بقراءته مرَّة واحدةً قراءةً متأنِّيةً متأمِّلة مع التفكُّر في أسلوبِ الكاتب وطريقتِه في الانتقالِ من قضيَّة إلى قضيَّة ومن غرضٍ إلى غرضٍ والتدقيقِ في ألفاظِه التي يستعملُها في كلامِه وتحفُّظِ الجيِّدِ منها. ومن الفِقَرِ ما تحتاجُ إلى أن تكرَّ عليها فتعيد قراءتها لشرفِها ونبلِها. وأنا أستحِبُّ لك أن تجهرَ بها وتُفصِح في نطقِك لها مترويًّا متمهِّلاً وأن تقرأها قراءةَ مدقِّقٍ وقراءةَ منقِّرٍ وقراءةَ مَن يحترسُ أن تنِدَّ عنه لطيفةٌ أو تفوتَه نادرةٌ وأن تقِفَ على معانيها وألفاظِها (وقوفَ شحيحٍ ضاعَ في التُّربِ خاتمُه). ومن الكلامِ كلامٌ ينبغي حفظُه أو حفظُ قدرٍ منه كالقصائد السبع والمفضليات والحماسة. ولو أنَّ أحدًا حفظَهنَّ كلَّهنَّ لم يكن ذلك كثيرًا، وكبعضِ الخُطَبِ والحِكَمِ المبثوثةِ في ما سلفَ ذكِرُه من الكتب.
ومن الطُّرقِ الحُسنَى المجرَّبة أن تقرأ القطعةَ وتفهم معناها ثم تغلِق الكتاب وتحاولَ أن تكتبها بأحسنِ ما تقدِر عليه من البيان ثم تفتح الكتاب فتوازن بين تعبيرك وتعبير الكاتب. فإنَّك إذا فعلتَ ذلك عرفتَ مواضعَ إحسانك فلزِمتَها ومواطنَ إخفاقِك فاجتنبتَها. و(بضدِّه يتبيَّن الضِدُّ). وطريقةٌ أخرَى، وهي أن تسجِّلَ ما يُعجِبُك من الكلامِ البليغِ بمسجِّل الصوت ثمَّ تأخذ في الاستماع إليه رائحًا غاديًا حتى تطمئِنَّ إلى أنكَ قد حفظتَه أو كدتَّ.
وبعد، فإن شئتَ أن تستعرِضَ الكتبَ التي قصدَ أصحابُها إلى جمعِ ما لا بُدَّ للمتأدِّبِ من معرفتِه كـ(أدب الكاتب) لابن قتيبة مع شرحِه (الاقتضابِ) للبطليوسيِّ و(العمدة) لابن رشيق و(المثل السائر) لابن الأثير فقد بلغتَ الغاية وأبعد من الغاية.
فهذا بعضُ ما طاوعَني ذكرُه في هذا الأمرِ. على أنَّ ما أوردتُّ من الكتب قليلٌ من كثيرٍ. وقد يغني بعضُ ذلكَ عن بعضٍ. وإنَّما صنَّفتُ هذه الكتبَ إلى أبوابٍ مختلِفةٍ معَ تداخلها وتشابكها، لأن الشيء إنما يُنسَب إلى معظَمِه والمشتهرِ من أحواله.
وفقني الله وإياكَ إلى الرأيِ النجيحِ والحجَّة الصحيحة، ورزقنا من حسنِ البيانِ ما ينوِّه بها ويُجلِّي عنها.

إبراهيم السكران بعين قارئ ذكي / صديق البشرى

أكملت اليوم "ولله الحمد" جميع كتب الشيخ الموفق إبراهيم السكران حفظه الله من كل سوء ...

ما أعجبني في شخصية الشيخ المفكر بحق وجذبني إليه ثلاثة أمور: 

أولها : تمكنه من العلم الشرعي وخاصة السنة النبوية، وتبحره في التراث العلمي الإسلامي، (بخلاف أكثر من يسمون المفكرين فأغلبهم زاده من العلم الشرعي قليل إن لم يكن معدوما، وبضاعته من التراث والثقافة الإسلامية مزجاة).

ثانيا: له معرفة واسعة واطلاع كبير بالثقافة الغربية فهو يجيد مناهجها ومباحثها.

ثالثا: إتقانه للإنجليزية اللغة الرئيسية للثقافة الغربية.

ومن أهم مايميز الشيخ ارتباطه القوي بالقرآن وأخذه كافة الأجوبة عن الأسئلة والاستشكلات الفكرية المعاصرة من القرآن ودعوته إلى ذلك واعتباره أن ختمة واحدة للقرآن الكريم بتدبر وتأمل تحل من الإشكالات الفكرية ما لا تحله الكتب الفكرية الموسعة المعمقة. يقول: “فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن وتدبر القرآن ومدارسة معاني القرآن لتهاوت أمام الشباب المسلم الباحث عن الحق كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول “ختمة تدبر”…. الطريق إلى القرآن ص 48
والقارئ لكتبه سيرى العجب العجاب من ذالك.

ولد الشيخ أبو عمر إبراهيم السكران عام 1976م.
وهو حاصل على بكالوريوس في الشريعة وعلي درجة الماجستير في السياسة الشرعية في السعودية
ودرجة الماجستير في القانون التجاري الدولي من ابريطانيا.

له أكثر من خمسة عشر كتابا وبحثا فكريا وتربويا وشرعيا منشورا منها:

#مآلات_الخطاب_المدني.
#التأويل_الحداثي_للتراث.
#سلطة_الثقافة_الغالبة.
#الماجريات.
#مصحف_البحر_الميت، وهو بحث حول: المفكر الجزائري الفرانكفوني العلماني المتطرف محمد أركون، وهي كتب فكرية ثقافية
#الطريق_إلى_القرآن
#رقائق_القرآن
#مسلكيات، وهي كتب تربية.

ومن بحوثه الشرعية:

- أحكام الأسهم المختلطة.
- أقيسةالإختلاطيين.
- الاحتساب على شاتم سيد البشرية، صلى الله عليه وسلم.
-مفاتيح السياسة الشرعية، وهذا الكتاب رغم صغره (65) ص فيه من التأصيل الشرعي للسياسة الشرعية وقضاياها المثارةمن غير استئسار لنموذج الديمقراطية الغربية ما يغني عن كثير من الكتب المطولة في بابه، وتستطيع قراءته في جلسة واحدة.

وكتبه كلها عميقة التأصيل الشرعي، قوية الاستدلال ، واضحة النتائج، عذبة الأسلوب، خصبة وثرية بالمراجع والنقول، تزرع في نفس قارئها معانى العزة والكرامة والفخر بدينه وثاقافته الإسلامية، والشموخ والعلو الإيماني أمام جبروت سلطة الثقافة الغربية الغالبة.

أخي القارئ إن كنت قد قرأت بعضا من كتب الشيخ فقد ذقت ومن ذاق عرف فالزم وواصل.

يقول د. الشیخ البشير عصام المراكشي (مؤلف كتاب: العلمنة من الداخل…) : (‏يندر أن أثني على معاصر ثناء مطلقا، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة؛ ولكنني أستثني الشيخ إبراهيم السكران فرج الله كربه، فإنني لا أعرف له كتابا لا أنصح به، بل كتبه كلها علم وخير.وإنني لأحسبه يكتب بقلبه لا بقلمه!).

وإن كنت لم تقرأ له بعد فأنا أغبطك لأن متعة وفائدة كبيرة بانتظارك.

وحين تقرأ أحد كتبه ستجدك مشتاقا إلى قراءته مرة أخرى كما وقع لي وقد حدثني جل زملائى ممن قرأ له أنه قرأ كتابه الفلاني أو الفلاني مرتين أو ثلاث (أحدهم قرأ كتابه “مسلكيات” مرتين وآخر قرأ “الطريق إلى القرآن” ثلاث مرات وآخر مرتين ….) بل قد رأيت الداعية السعودي المبدع الشيخ عبدالله العُجيرى (مؤلف كتاب مليشيا الإلحاد…) في محاضرة له على الشبكة يقول إنه قرأ كتابه مآلات الخطاب المدني 5 خمس مرات، قائلا إنه أعظم منتج فكري قدمته الحالة السلفية السعودية، وهذا يدلك على قيمتها ومكانها وما تتركه من أثر على قارئها.

فما عليك إلا أن تشرع سفينتك وتمخر عباب الشيخ فستمتلئ عيبتك “باللآلئ الحسان والجواهر الثمان” وليكن أول درب تسلكه “الطريق إلى القرآن“.
*صديق البشرى*

الإزدواجية /القبائل المشتركة

 #قلم_رصاص #البرية_148 ---------------------------( هل الإزدواجية عار ؟ )--------------------------                                         ...