Translate

أسرار البادية 3/ إبراهيم أحمد إبراهيم

 -------------------‐------( أسرار البادية )-------------------------

                                         


                                         3

اقترب صاحب الربابة منّي و قال : ( إن فازت زرقة ستفوز بها ) طنت كلماته في أُذنّي مسببة ربكة في عقلي . إن فازت زرقة ستفوز بها . ما دخل زرقة في حبي ؟ 

 من أين عرف أنني أحاول أصطياد  فتمي ملمرو   ؟

  كلماته تُشبِه طنين بعوضة في ليلة مظلمة . أفْقدتني التركيز . لن يستغرق السباق دقائق في العادة لكنّه كان بمثابة ساعات في مُخيلتي . أصوات الخيول تقترب من خط النهاية الزغايرد ترتفع تصفيق من هنا و سبٌّ من هنالك . اجتاز الفرسان خط النهاية بسرعة البرق لم أكن متابعاً للسباق . و لا تهمني النتيجة كما أخبرتكم لكن كلام صاحب الربابة جعلني أنتبه . و أبحث عن العلاقة بين حبي و فوز المهرة ( زرقة ) . كان كل تفِكْيري منصباً نحو هذه البدوية المنفعلة مع السباق تزغرد و تشتم في آن واحد . انفرجت أسارر وجهها و قالت :  هذه المهرة نعرفها كابرا عن كابر و قد توارثت الفوز كما يتوارث الناس الأموال . موجهة حديثها ( لفتمه زرو ) إلتفتُ بدوري نحوها تذكرتُ كلمات الفنان عمر إحساس بإيقاعه السريع "زولي الأخضر كان شُفْتُ بخضر " فتاة فارعة الطول خضراء واسعة العينين . عليها الإبتسامة جميلة مشتهاة  لكن يظهر أنها من الداخل تحمل أحزاناً و أوجاعاً . هكذا خُيِل إليّ . 

    فهمت من حديثها المضاد لفاتنتي ( ملمرو ) أنها تشجع ( دهباية ) حِمية لإبن عمها و طليقها السابق . هولاء البدو لهم ولاء عجيب . يدافع أحدهم و يموت في سبيل القبيلة و العصبة . و عندما تجالسهم تجدهم يُكِنُون للبعضهم البعض الحسد و البغض . هكذا هي الصحراء تجمع بين الأضداء .

قالت ل ( فتمه ملمرو ) في عبارات موجزة و مشفرة تشبه عبارات ( الأزه ) الحدادة . 

قتلت الفرسه 

ردت . . . 

أصل ميت 

قالت . . .

لو هو وقع ذنب الفرسه شنو 

ردت . . .

بكلمات أشبه بالتمتمة مع إبتسامة خجولة .. 

  فقالت ( فتمه زرو )  تجيبو السكر و لا نجيبو

غرقتُ في تلك المحادثة و هومت في أحلامي مؤولاً كل حرف إلى معناً يوافق هواي . قطع علي ذلك الحلم صوت مشاجرة نشبتْ بين اثنين من المشجعين كانت الأصوات تعلو و تهبط بين مشجع للعراك و بين حجاز ، كِبار القوم في مجلسهم لم يحرك السباق و لا المشاجرة فيهم شعرة . غير ابتسامات و إشارات مبهمة كانوا في أُنس حميم يتذكرون أيام كانوا هم الفرسان و كان للسباق طعم آخر كما يقولون ، دائما ما تفخر الأجيال السابقة على الآحقة . و لا يحترفون لهم بشيئ . الحياة عند الكبار أحاديث و ذكريات .

    وجدتُ لحظة انشغال الجمهور بالمشاجرة فرصة ذهبية لأخاطب ( مهرتي ) اقتربت منها بحيث أستطيع أن أهمس في أذنها من دون أن يلحظ أحدهم ، 

سلام ( فتمي ) 

هلا ( دقي مار )

..

..

أاااه

 كيف سمحت لنفسها أن تنادي بأخاها الكبير . ألم تقرأ ما يعتلج في فؤادي ؟

......

أااه 

لا أدري كم استغرق مني التفكير في تلك الكلمة البلهاء و الطلب المفاجئ

قلت لها بكل بلادة 

عاوز أشرب معاك شاي

و نتونس شويه .

ثم غادرتها لا أدري أكان ذلك هو تصرفي أم تصرف البيئة التي تفرض نفسها علي ؟ 

   تركتها منتشياً بلحظة الإقدام و لم أنتظر ردها ،

 أظن أنني اقتبست ذلك التصرف من أحاديث الشباب و قصصهم الرومانسية كانواْ دائما ما يربطون مجالس السمر بشرب الشاي الأخضر .  لكن لم أكن أعرف طريقة عرضهم و لا كيف يوقعون الأنثى في حبائل ودهم . 

       فازت المهرة ( زرقة ) على دهباية بتقدم لا يذكر حتى أن بعض المشجعيين المتعصبين عزا ذلك الفوز لوقوف الحكم صاحب الربابة ( ماأليمي ) مع زرقة  و أن الفرسين كانا متساويين لحظة عبورهما خط النهاية و إن كانت ( زرقة ) متقدمة بصدرها في الأمتار قبل الأخيرة .

      سريعاً ما انتهى السباق لكن تظل ذكراها قائمة ، و المغالطات حولها دائرة حتى يتوج بطل آخر و تشتهر في الآفاق ( مهرة ) أخرى .

      دن دن دن دن . 

تت تت تت دن ددن دن تتت 

   بدأ الشباب يتجمعون حول ( ألي ) ضارب ( النقره )  و العازف الماهر   ( للتول ) مظاهر الفرح لم تنتهي بالسباق ففي كل مناسبة تقام . يقوم هذا الشاب النحيف صاحب البسمة الجميلة و النظرة النافذة التي تُظْهِر شخصيته رغم كدموله الذي أخفى جُل ملامحه بالضرب على دف كبير _ يسمونه ( نقره ) مصنوع من جلد بقرة لف على لَسْتِك قديم لا أدري من أين تحصلوا على ذلك اللستك _ كان يضرب بإيقاع سريع جداً . يرقص على إثره الشباب من الجنسين . يعرفون كل نغمة و الأغنية المُلحنة عليها الإيقاع . و لكن من دون أن يغني معها أحد فقط يرقصون ، و يدندن المشاهدون مع الإيقاع . كل ما ينتهي( ألي ) من  نغمة ينبري أحد الشباب بذكر اسم فتاة فيقوم ( ألي ) بتحويل الإيقاع .  عندها تلاحظ الهمسات و اللمزات .

تمعنت في وجوه الحاضرين فلم أجد من بينهم الشِياب . ترى أين هم من هذا اللهو الجميل ؟

  تذكرتُ ( سيدنا ) تُرى أين هو الآن ؟ هل عاكف مع مهاجريه ( طلاب القرآن ) يصحح لهم ألواحهم أم ممسكاً بسبحته يتلو صلاة الفاتح ؟  

  ثَمِل الشباب و سكرواْ كانواْ في حالة تشبه حالات الإنجذاب عند الدراويش ، الحلقة كانت شبه خاوية  عندما نزعت فتاة توبها و نزلت الساحة ترقص بغنج مظهرة أنوثة لا مثيل لها ، ملِت على أحدهم وسألته مَنْ هذه ؟

هههه ههه


ضحك و قال ألا تسمع النقره ؟

كانت ضحكته تحمل معاني السخرية .

أرهفتُ السّمع علني أعثر على اسمها في ذلك الإيقاع السريع . 

فإذا بالنقره يقول في نهاية كل مقطع ( فَنْنِيه فَنْنِيه ) . 

إلتفت إليه و قلت له فَنْنيه 

أشار برأسه أن نعم و كأنني أقطع عليه لحظات لا تعاد .

كنتُ الوحيد الذي لم يجد اللذة و  الإندماج مع الإيقاع و إن أبهرتني ( فننيه ) برقصتها ، و فتنتني بأنوثتها المُخيفة ، نعم كانت جميلة جمالاً مُخيفاً ، لونها القمحي الفاتح ، دَقْة شِفْتِها الذي يجمع بين لونين ، أخضر غامق يميل إلى السواد . مع نعومة يُخال إلى الناظر  أنها تستعمل مرطباً حديثاً . الزمام في أنفها . تسريحة شعرها الذي يشبه البوب . كانت عاطلا إلا من جمالها الطبيعي . شيئ ما في عينيها الواسعتين يقذف في القلوب وجلاً مشوباً بعاطفة الميل إلى الجمال . 

حتى أنني تذكرت جان جاك روسو في تلك اللحظة فلو لم أكن قد شُغِلت ب( فتمي ملمرو ) لكنت الآن صريع جمال ( فننيه ) .    الفضول لا يتركني أن أستقر في مكان واحد أريد أن أعرف كل شيئ ماذا تفعل النساء في لحظة كهذه أتراهن يجترن ذكريات الصبا الآفل و يندُبْن شبابهن ؟ و الكهول من الرجال ألا يثير فيهم الطرب نزق المراهقة ؟ فحلقة النقره محصورة على الشباب و الأطفال فقط . انسحبتُ منها ، و الأسئلة تملؤ رأسي أريد أن أعرف المزيد عن ( فننيه ) عن ألحان ( النقره ) عن ضاربها  ، لو كان( ماأدي ) معي لأشبع فضولي ، لكنه مُنْشغل مع (  زرقه ) .

   بدأتِ الشمس تنحسب من الأفق مرسلة أشعة صفراء تشبه رمال الصحراء ،  خيوط الشفق الرقيقة كأنها ترسل دموعا حزينة على توديع ذلك الحفل .

 أسراب المواشي بدأت تغزو القرية . في تؤدة . تسمع هناك ثغاء نعجة ، و من اتجاه آخر تسمع زغرودة جمل يعلن فحولته . مِلتُ إلى الجهة التي كان يجلس فيها الكِبار فإذا بصوت ( التُول ) الربابة يسبقني مبشراً بجو آخر من مظاهر الفرح ، ( دِيْ مار . . .  دي مار ) . 

خالو محمد خالو محمد 

إلتفت إلى الصوت كانت ( هرمطه أدي ) تصيح منادية إياي 

هلا بنت أختي

قالت رسلتني ( فتمه زرو ) . 

قالت ليك . 

يا ريت تشرفنا الليلة تشرب معانا الشاي و السكر علينا . 

و ولت هاربة تاركة خلفها جوابي 

.

.

.

يتبع .........

هناك 3 تعليقات:

  1. ياسلاااام ابداع حد الاشباع

    ردحذف
    الردود
    1. الله يسلمك . يا ريتك ترشد النص بالنقد و التوجيه و مشكور على القراءة المادحة
      ننتظر اضافتك للنص و تسليط الضوء على الثغرات و النتوءات .

      حذف
  2. مافي كلام انا منتظر الجزء التالي مادام قلت

    يتبع....

    ردحذف

الإزدواجية /القبائل المشتركة

 #قلم_رصاص #البرية_148 ---------------------------( هل الإزدواجية عار ؟ )--------------------------                                         ...