-------------------------( أسرار البادية )-------------------------
1
اليوم اكتشفت ذلك السر . كنت دائما محاطاً بأشخاص مختلفين لكن أسماءهم متشابهة؛ لا بل متطابقة . ثلاثة من أعمامي يحملون اسماً واحداً . ك نت دائماً ما أسأل عن غباء جَدِي . كيف له أن يسمي ثلاثة من أبنائه باسم واحد ؟ غير أني كنت دائما أجد لذلك الاسم لِذة .
في سنة كبيسة هجم علينا سرب من البدو . دخلوا علينا من دون استئذان و شكلوا جزءً من حياتنا . لاحظت أن أسماءهم متشابهة لا تتميز إلا بالصفات التي يضيفونها إلى نهاية كل اسم للتمييز بينهم . قلت في نفسي أي غباء هذا . ألا يوجد غير هذه الأسماء ؟ لكنني عندما أتذكر قدسية و رمزية هذه الأسماء أو الاسم أستغفر الله سراً . لكن السؤال دائما يعود إلى الذاكرة كل ما اجتمع هؤلاء و تضاربت أسماؤهم ! !
فجأة اختفى هؤلاء البدو . هدأت دارنا . لا تسمع في صالوننا إلا صوت المروحة الحزينة.
في البداية وجدت لذلك السكون راحة . لكن بدأ السأم يتسلل إليّ و بين فينة و فينة أشتاق إلى صخبهم و أتذكر قصصهم و مغامراتهم . كانوا قصاصين بالفطرة . ماهرين في تصوير المواقف بالكلمات . كان من بينهم شاب ضعيف البنية هادئ الطبع لا تفارق البسمة محياه . يحول النقد إلى نكتة كنت أجد بيني و بينه تجاذباً و كان سريع التعلم تحول في طرفة عين من بدوي قح إلى مدني . . . لكنه رحل كباقي القوم في هدوء . جاؤوا بغتة و رحلوا كذلك.
***
الكتب كعادتها توقد فيّ روح المغامرة . و تشعل فيّ نيران الهِمة . رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح جعلتني أفكر في الهجرة إلى الغرب . خاصة تلك القرية التي يحمل كل رجالها اسم ( محمد ) و غالب نسائها اسم ( فاطمة ) و في بعض الأحيان تجد ( مريم و عائشة ) . حملت حقيبة الذكريات و جراب القصص التي سمعتها و حاولت جاهداً أن أسترجع تلك اللكنة التي يمتازون بها . كان كل خوفي أن أنعت بود الخرطوم . أخشى من تلك النظرة الدونية التي ينظرون بها إلى أولاد البندر .
ما كنت أظن أنني سأتوغل في صحراء قاحلة بحثاً عن قرية كل مقومات الحياة فيها بئر ( سواني ) و ماشية ( هزيلة ) لا كهرباء لا خدمة نت . طبيب المواشي هو طبيب البشر . كنت قد أخبرت ابن عمي --( ماأدي ) محمد الصغير الذي اسم أبيه أيضاً محمد و ثلاثة من أشقائه يحملون نفس الاسم فقط تلك الإضافات تفرق بينهم ( مابوا ) محمد الكبير ( مامرو ) محمد الإحيمر و ( مار ) محمد ( ماأدي ) محمد الصغير -- أخبرته أنني سوف أكون ضيفاً عليهم فاستبشر بتلك الزيارة و أوصاني أن أحمل بعض الكتب و القصص لكي أقرأها عليه و شدد عليّ في مسألة الدخان قائلاً:( كتر من البرنجي ) .
استقبلني ( ماأدي ) على تخوم الصحراء عند سيالة . ما ان نظرت إليه عرفته رغماً عن ( كدموله ) و نظارته الشمسية . فتحت ذراعي أريد أن أحتضنه و اشتم منه رائحة الجذور لكنه مدّ إلي يداً باردة و بكلمات مقتضبة سأل عن أحوالي و أحوال الأهل في الخرطوم . شعرت بوخزة و بإحباط شديد . تمنيت أن أجد سيارة أرجع بها فوراً . لكن هيهات . فالسيارة تشق تلك البراري مرة كل اسبوع . تأملت الإتجاهات الأربع علني أجد مئذنة أستدل بها على اتجاه القرية . لكن من دون فائدة كل الإتجاهات متساوية فضاء واسع شجيرات صغيرة تتصارع مع الرمال على الوجود و الفناء . غنيمات هنا و هناك تنقب عن العشب ، جمل سائب تخلف عن رفاقه بسبب الضعف . هدوء في هدوء رياح خفيفة . ما كنت أظن أنني أستطيع سماع دقات قلبي إلا تلك الساعة . في مقدوري أن أعدد أنفاسي . هدوء في هدوء . كل ما حثثنا الخطى نحو المجهول سألت نفسي أكل تلك القصص و الحكاوي الغريبة حصلت هنا ؟ حيث السكون ! فجأة إلتفت إلى الوراء كأنني أودع حبيباً . ابتسمتُ للسكون فإذا بالصحراء تفتح ذراعيها مستقبلة أياي بالحب . رفعت نظري إلى الأفق مردداً (لا شيء يشبه الصحراء يجمع بين الأضداد ) رفع (ماأدي ) رأسه قائلاً مرحباً بك في الديار . الله يسلمك . نظرت إلى الساعة علني أهتدي إلى الوقت . بقي ربع ساعة على المغيب قالها ( ماأدي) بدأت القرية تظهر بيوتاً طينية متفرقة تتخللها خيام من الشعر لا يجمعها سوى جَدُ واحد لكن لا أظن أن الجغرافيين سوف يطلقون عليها اسم قرية . شعرت بأن كل البيوت كانت تنظر إليّ و تتفحص ود الخرطوم . استقبلني عمي بكل حفاوة . لم أخبركم أنني سميتُ على عمي ( محمد ) تيمناً بخضرته في الحياة يقولون أنه رجل مبارك عشرة من ذريته يحفظون القرآن . غربت الشمس أُذِن للصلاة عند ديوان عمي . قُدِم رجل عجوز يطلقون عليه ( سيدنا ) صلى بنا صلاة خفيفة جداً لاحظت أنه مسدل اليدين في صلاته استرقت النظر يمنة و يسرة فوجدت أني أنا الوحيد الذي يضع يمناه على يسراه . بعد الصلاة ذُبِح تيس صغير ترحيباً بي عندها أحسست أن ذلك البرود هو من مكتسبات الصحراء . برود قاتل في سيماهم لكنهم يثورون لأتفه الأسباب كما أن الصحراء ساكنة هادئة و عندما تهُب الرياح ينقلب ذلك السكون إلى ثوران .
نُصِص ذلك التيس على الجمر عندها تذكرت شطر بيت النابغة ( على سفود شرب نصوه عند مفتئد) وضعت زوجة عمي آنية الشاي الأخضر في مكان قصي و جلست تعده بطقوس غريبة. لكنها كانت تشاركنا الحديث و تصحح بعض الأخطاء التاريخية يظهر أنها عليمة بالأنساب و عندما تبدأ بالتحدث يصمت الجميع نغمة صوتها تشي بأنها ذات شخصية قوية . جاء كل أبناء العمومة و بناتهم . تحياتهم باردة لكن إبتساماتهم تشفع لهم . أصبح المجلس كبيراً الرجال الكبار مع سيدنا في وسط الدائرة ثم تتابع الشباب في حلق صغيرة محيطين دائرة الكبار . على الشمال جلست زوجة عمي تعد ذلك الشاي الذي انتظرته طويلاً لكنها لم تكن في عجلة من أمرها . خلفها جلست النساء ، و البنات، يثرثرن بأحاديث و أغلب الظن أن حديثهن منصب حولي لأن المقل كانت تسترق النظرات نحوي .
جاء رجل يُشْبه مصارعي الجبال في بنيته ينظر بعيني صقر يشعرك بأنه عائف قائف ذو فراسة لا تخطئ صافح الجميع توقف عندي برهة و تأملني جيداً ثم قال سبحان الله ( مايسكو ) لاحظت أن الجميع قد توجس منه خيفة . جلس طرف المجلس و أخرج ربابة قديمة و جعل يداعب أوتارها . لامست النغمات فؤاد الحاضرين ثم بدأ يعدد مآثر الأجداد . ظننت أنه واحد من أفراد الأسرة لكن ملامحه تشي بأنه غريب أو عابر سبيل . ملت على ماأدي و سألته بصوت خفيض دأ منو ؟ فقال هذا عبد من عبيد القبيلة مهمته حفظ مآثر الأباء و مغامرات الأجداد ليغنيها في الأعياد و الأفراح و يقوم ببعض الأعمال اليدوية التي يستنكف عنها الأحرار . قلت له و يأخذ عليها أجراً ؟ قال : نعم لكن لا يحسب ذلك أجراً إنّما هبة و منة منّا . هو عبد و نحن أسياده . بُهِتُّ من تلك اللغة الحجرية و تعجبت من قبوله !!. قلت له هذا لا يجوز نحن في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن نصنف الناس بمعيار العبد و السيد لكن . . .كانت كلماتي تشبه حُبيْبات رمل تزروها رياح عاتية في تلك الصحاري المقفرة . بين كل فاصل وتري ، يقوم ليُلقي نظرة على اللحم المنصص يُقَلِبه و يتذوق طعمه في نشوة و اعتداد كأنه يخدم سلطاناً معظماً و عندما يعود إلى عوده الكل يترك الكلام حتى سيدنا يترك مسبحته و يهيم في الأغاني القصصية يترحم على أبطالها مظهراً نسكاً مزيفاً . كنت الوحيد الذي لم يجد اللذة فقد كان التنافر جلياً بين صوته المبحوح و وتره الهادي الحنون . سأل العبد زوجة عمي عن الشاي و هو يناولها قسمة النساء من اللحم . فقد قسم اللحم إلى ثلاثة أسهم. سهمين للرجال و سهم للنساء رغم أن النساء أكثر عدداً من الرجال . ثم أعطى كل واحد منّا ثلاث قطع في يده . استغربت جداً من تلك الطريقة . بدا كل واحد يمضغ نصيبه مستمتعاً به و منتشياً برائحة الشاي و لصوت الفناجين وسوسة كوسوسة الحلي .
للإنتظار طعم جميل . أخيراً وُزِع علينا ذلك الشاي الذي انتظرته خاصة أنا كنت في شوق شديد له . قام سيدنا مودعاً المجلس و واعداً إياهم باللقاء غدا صباحاً شيعه عمي و عصبة من الرجال على إثرهم انفض حفل الاستقبال . قادني ماأدي إلى المسكن الذي أعد ليّ كنت منهكاً من السفر متعباً من الجلسة الطويلة التي امتدت إلى منتصف الليل . ما إن تمددت على اللحاف حتى غبت في نوم عميق . وفي وقت من الليل لا أدريه سمعت جلبة و حركة خارج خيمتي قمت لأستكشف الأمر وجدت أن الشروق قد حان و العبد جالس قرب الديوان يشحذ مديته . اااه البارحة عند نهاية المجلس أعلن في الحضور أن الغد سماية مابوا .
صادف نزولي عندهم مناسبة مُهِمة جداً . أكبر مناسبتين يحتفون بهما في تلك البوادي ( العقيقة ) و ( الصدقة ) يستقبلونك بفرح و يودعونك بحزن . في المناسبتين ، تذبح الذبائح يجتمعون من كل فج عميق يأكلون و يشربون بصمت ثم يتفرقون .
أنجبت ( فطمة ) زوجة ( مابوا ) ولداً قبل قدومي بستة أيام . كنت قد سمعت ببعض طقوسهم . و الأكلات التي يقدمونها يوم العقيقة صباحاً قبل الذبائح ( تِي جُسي ) و بليلة القمح حتى أنهم عندما يريدون الدلالة على صغر سن أحدهم يقولون : ( أكلت بليلته ) عندما وصلتُ للمجلس وجدت العبد قد فرغ من سلخ الذبائح و بدأ يُكسر اللحم . قبل أن أجلس سألت عن اسم المولود فقالوا لم يسم بعد . لماذا ؟ قالوا سيدنا لم يأت بعد . قلت و ما دخل سيدنا بالإسم ؟ سكت الجميع . لاحظت السرور على وجه مابو فقلت مستغلاً للفرصة دعني أسميه أنا نظر إلى وجه أبيه ليتبين موقفه فلما وجد الحياد قال على بركة الله . توجهت من فوري إلى موضع المولود وأنا في حالة من الزهو . دخلت عليهم أذنت في أُذن الصبي و سميته خالداً . زغردتِ النسوة رغم أنهن لم يألفن مثل هذه الأسماء . ما كنت أعلم أنني بهذا الفعل دخلت في معركة غير متكافئة مع سيدنا . و أن مابو كان يصفي حساباته مع سيدنا . فقد كان بينه و بينا سيدنا خصومة روحية . لكنه لا يستطيع مواجهة ذلك . عندما طلبت منه أن أسمي المولود لم يتوانى بل فرح بذلك لأنه يعتبر تلك حرباً بالوكالة .
جاء سيدنا يتبختر في قربوبه فلما علم أنني قد سميت المولود غضب غضباً شديداً . سألني لمه سميته خالداً . قلت له و من تريدني أن أُسميه فقال : محمداً . فنحن لا نسميهم . الأيام هي التي تسميهم و هذا اليوم يوافق محمداً.
1
اليوم اكتشفت ذلك السر . كنت دائما محاطاً بأشخاص مختلفين لكن أسماءهم متشابهة؛ لا بل متطابقة . ثلاثة من أعمامي يحملون اسماً واحداً . ك نت دائماً ما أسأل عن غباء جَدِي . كيف له أن يسمي ثلاثة من أبنائه باسم واحد ؟ غير أني كنت دائما أجد لذلك الاسم لِذة .
في سنة كبيسة هجم علينا سرب من البدو . دخلوا علينا من دون استئذان و شكلوا جزءً من حياتنا . لاحظت أن أسماءهم متشابهة لا تتميز إلا بالصفات التي يضيفونها إلى نهاية كل اسم للتمييز بينهم . قلت في نفسي أي غباء هذا . ألا يوجد غير هذه الأسماء ؟ لكنني عندما أتذكر قدسية و رمزية هذه الأسماء أو الاسم أستغفر الله سراً . لكن السؤال دائما يعود إلى الذاكرة كل ما اجتمع هؤلاء و تضاربت أسماؤهم ! !
فجأة اختفى هؤلاء البدو . هدأت دارنا . لا تسمع في صالوننا إلا صوت المروحة الحزينة.
في البداية وجدت لذلك السكون راحة . لكن بدأ السأم يتسلل إليّ و بين فينة و فينة أشتاق إلى صخبهم و أتذكر قصصهم و مغامراتهم . كانوا قصاصين بالفطرة . ماهرين في تصوير المواقف بالكلمات . كان من بينهم شاب ضعيف البنية هادئ الطبع لا تفارق البسمة محياه . يحول النقد إلى نكتة كنت أجد بيني و بينه تجاذباً و كان سريع التعلم تحول في طرفة عين من بدوي قح إلى مدني . . . لكنه رحل كباقي القوم في هدوء . جاؤوا بغتة و رحلوا كذلك.
***
الكتب كعادتها توقد فيّ روح المغامرة . و تشعل فيّ نيران الهِمة . رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح جعلتني أفكر في الهجرة إلى الغرب . خاصة تلك القرية التي يحمل كل رجالها اسم ( محمد ) و غالب نسائها اسم ( فاطمة ) و في بعض الأحيان تجد ( مريم و عائشة ) . حملت حقيبة الذكريات و جراب القصص التي سمعتها و حاولت جاهداً أن أسترجع تلك اللكنة التي يمتازون بها . كان كل خوفي أن أنعت بود الخرطوم . أخشى من تلك النظرة الدونية التي ينظرون بها إلى أولاد البندر .
ما كنت أظن أنني سأتوغل في صحراء قاحلة بحثاً عن قرية كل مقومات الحياة فيها بئر ( سواني ) و ماشية ( هزيلة ) لا كهرباء لا خدمة نت . طبيب المواشي هو طبيب البشر . كنت قد أخبرت ابن عمي --( ماأدي ) محمد الصغير الذي اسم أبيه أيضاً محمد و ثلاثة من أشقائه يحملون نفس الاسم فقط تلك الإضافات تفرق بينهم ( مابوا ) محمد الكبير ( مامرو ) محمد الإحيمر و ( مار ) محمد ( ماأدي ) محمد الصغير -- أخبرته أنني سوف أكون ضيفاً عليهم فاستبشر بتلك الزيارة و أوصاني أن أحمل بعض الكتب و القصص لكي أقرأها عليه و شدد عليّ في مسألة الدخان قائلاً:( كتر من البرنجي ) .
استقبلني ( ماأدي ) على تخوم الصحراء عند سيالة . ما ان نظرت إليه عرفته رغماً عن ( كدموله ) و نظارته الشمسية . فتحت ذراعي أريد أن أحتضنه و اشتم منه رائحة الجذور لكنه مدّ إلي يداً باردة و بكلمات مقتضبة سأل عن أحوالي و أحوال الأهل في الخرطوم . شعرت بوخزة و بإحباط شديد . تمنيت أن أجد سيارة أرجع بها فوراً . لكن هيهات . فالسيارة تشق تلك البراري مرة كل اسبوع . تأملت الإتجاهات الأربع علني أجد مئذنة أستدل بها على اتجاه القرية . لكن من دون فائدة كل الإتجاهات متساوية فضاء واسع شجيرات صغيرة تتصارع مع الرمال على الوجود و الفناء . غنيمات هنا و هناك تنقب عن العشب ، جمل سائب تخلف عن رفاقه بسبب الضعف . هدوء في هدوء رياح خفيفة . ما كنت أظن أنني أستطيع سماع دقات قلبي إلا تلك الساعة . في مقدوري أن أعدد أنفاسي . هدوء في هدوء . كل ما حثثنا الخطى نحو المجهول سألت نفسي أكل تلك القصص و الحكاوي الغريبة حصلت هنا ؟ حيث السكون ! فجأة إلتفت إلى الوراء كأنني أودع حبيباً . ابتسمتُ للسكون فإذا بالصحراء تفتح ذراعيها مستقبلة أياي بالحب . رفعت نظري إلى الأفق مردداً (لا شيء يشبه الصحراء يجمع بين الأضداد ) رفع (ماأدي ) رأسه قائلاً مرحباً بك في الديار . الله يسلمك . نظرت إلى الساعة علني أهتدي إلى الوقت . بقي ربع ساعة على المغيب قالها ( ماأدي) بدأت القرية تظهر بيوتاً طينية متفرقة تتخللها خيام من الشعر لا يجمعها سوى جَدُ واحد لكن لا أظن أن الجغرافيين سوف يطلقون عليها اسم قرية . شعرت بأن كل البيوت كانت تنظر إليّ و تتفحص ود الخرطوم . استقبلني عمي بكل حفاوة . لم أخبركم أنني سميتُ على عمي ( محمد ) تيمناً بخضرته في الحياة يقولون أنه رجل مبارك عشرة من ذريته يحفظون القرآن . غربت الشمس أُذِن للصلاة عند ديوان عمي . قُدِم رجل عجوز يطلقون عليه ( سيدنا ) صلى بنا صلاة خفيفة جداً لاحظت أنه مسدل اليدين في صلاته استرقت النظر يمنة و يسرة فوجدت أني أنا الوحيد الذي يضع يمناه على يسراه . بعد الصلاة ذُبِح تيس صغير ترحيباً بي عندها أحسست أن ذلك البرود هو من مكتسبات الصحراء . برود قاتل في سيماهم لكنهم يثورون لأتفه الأسباب كما أن الصحراء ساكنة هادئة و عندما تهُب الرياح ينقلب ذلك السكون إلى ثوران .
نُصِص ذلك التيس على الجمر عندها تذكرت شطر بيت النابغة ( على سفود شرب نصوه عند مفتئد) وضعت زوجة عمي آنية الشاي الأخضر في مكان قصي و جلست تعده بطقوس غريبة. لكنها كانت تشاركنا الحديث و تصحح بعض الأخطاء التاريخية يظهر أنها عليمة بالأنساب و عندما تبدأ بالتحدث يصمت الجميع نغمة صوتها تشي بأنها ذات شخصية قوية . جاء كل أبناء العمومة و بناتهم . تحياتهم باردة لكن إبتساماتهم تشفع لهم . أصبح المجلس كبيراً الرجال الكبار مع سيدنا في وسط الدائرة ثم تتابع الشباب في حلق صغيرة محيطين دائرة الكبار . على الشمال جلست زوجة عمي تعد ذلك الشاي الذي انتظرته طويلاً لكنها لم تكن في عجلة من أمرها . خلفها جلست النساء ، و البنات، يثرثرن بأحاديث و أغلب الظن أن حديثهن منصب حولي لأن المقل كانت تسترق النظرات نحوي .
جاء رجل يُشْبه مصارعي الجبال في بنيته ينظر بعيني صقر يشعرك بأنه عائف قائف ذو فراسة لا تخطئ صافح الجميع توقف عندي برهة و تأملني جيداً ثم قال سبحان الله ( مايسكو ) لاحظت أن الجميع قد توجس منه خيفة . جلس طرف المجلس و أخرج ربابة قديمة و جعل يداعب أوتارها . لامست النغمات فؤاد الحاضرين ثم بدأ يعدد مآثر الأجداد . ظننت أنه واحد من أفراد الأسرة لكن ملامحه تشي بأنه غريب أو عابر سبيل . ملت على ماأدي و سألته بصوت خفيض دأ منو ؟ فقال هذا عبد من عبيد القبيلة مهمته حفظ مآثر الأباء و مغامرات الأجداد ليغنيها في الأعياد و الأفراح و يقوم ببعض الأعمال اليدوية التي يستنكف عنها الأحرار . قلت له و يأخذ عليها أجراً ؟ قال : نعم لكن لا يحسب ذلك أجراً إنّما هبة و منة منّا . هو عبد و نحن أسياده . بُهِتُّ من تلك اللغة الحجرية و تعجبت من قبوله !!. قلت له هذا لا يجوز نحن في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن نصنف الناس بمعيار العبد و السيد لكن . . .كانت كلماتي تشبه حُبيْبات رمل تزروها رياح عاتية في تلك الصحاري المقفرة . بين كل فاصل وتري ، يقوم ليُلقي نظرة على اللحم المنصص يُقَلِبه و يتذوق طعمه في نشوة و اعتداد كأنه يخدم سلطاناً معظماً و عندما يعود إلى عوده الكل يترك الكلام حتى سيدنا يترك مسبحته و يهيم في الأغاني القصصية يترحم على أبطالها مظهراً نسكاً مزيفاً . كنت الوحيد الذي لم يجد اللذة فقد كان التنافر جلياً بين صوته المبحوح و وتره الهادي الحنون . سأل العبد زوجة عمي عن الشاي و هو يناولها قسمة النساء من اللحم . فقد قسم اللحم إلى ثلاثة أسهم. سهمين للرجال و سهم للنساء رغم أن النساء أكثر عدداً من الرجال . ثم أعطى كل واحد منّا ثلاث قطع في يده . استغربت جداً من تلك الطريقة . بدا كل واحد يمضغ نصيبه مستمتعاً به و منتشياً برائحة الشاي و لصوت الفناجين وسوسة كوسوسة الحلي .
للإنتظار طعم جميل . أخيراً وُزِع علينا ذلك الشاي الذي انتظرته خاصة أنا كنت في شوق شديد له . قام سيدنا مودعاً المجلس و واعداً إياهم باللقاء غدا صباحاً شيعه عمي و عصبة من الرجال على إثرهم انفض حفل الاستقبال . قادني ماأدي إلى المسكن الذي أعد ليّ كنت منهكاً من السفر متعباً من الجلسة الطويلة التي امتدت إلى منتصف الليل . ما إن تمددت على اللحاف حتى غبت في نوم عميق . وفي وقت من الليل لا أدريه سمعت جلبة و حركة خارج خيمتي قمت لأستكشف الأمر وجدت أن الشروق قد حان و العبد جالس قرب الديوان يشحذ مديته . اااه البارحة عند نهاية المجلس أعلن في الحضور أن الغد سماية مابوا .
صادف نزولي عندهم مناسبة مُهِمة جداً . أكبر مناسبتين يحتفون بهما في تلك البوادي ( العقيقة ) و ( الصدقة ) يستقبلونك بفرح و يودعونك بحزن . في المناسبتين ، تذبح الذبائح يجتمعون من كل فج عميق يأكلون و يشربون بصمت ثم يتفرقون .
أنجبت ( فطمة ) زوجة ( مابوا ) ولداً قبل قدومي بستة أيام . كنت قد سمعت ببعض طقوسهم . و الأكلات التي يقدمونها يوم العقيقة صباحاً قبل الذبائح ( تِي جُسي ) و بليلة القمح حتى أنهم عندما يريدون الدلالة على صغر سن أحدهم يقولون : ( أكلت بليلته ) عندما وصلتُ للمجلس وجدت العبد قد فرغ من سلخ الذبائح و بدأ يُكسر اللحم . قبل أن أجلس سألت عن اسم المولود فقالوا لم يسم بعد . لماذا ؟ قالوا سيدنا لم يأت بعد . قلت و ما دخل سيدنا بالإسم ؟ سكت الجميع . لاحظت السرور على وجه مابو فقلت مستغلاً للفرصة دعني أسميه أنا نظر إلى وجه أبيه ليتبين موقفه فلما وجد الحياد قال على بركة الله . توجهت من فوري إلى موضع المولود وأنا في حالة من الزهو . دخلت عليهم أذنت في أُذن الصبي و سميته خالداً . زغردتِ النسوة رغم أنهن لم يألفن مثل هذه الأسماء . ما كنت أعلم أنني بهذا الفعل دخلت في معركة غير متكافئة مع سيدنا . و أن مابو كان يصفي حساباته مع سيدنا . فقد كان بينه و بينا سيدنا خصومة روحية . لكنه لا يستطيع مواجهة ذلك . عندما طلبت منه أن أسمي المولود لم يتوانى بل فرح بذلك لأنه يعتبر تلك حرباً بالوكالة .
جاء سيدنا يتبختر في قربوبه فلما علم أنني قد سميت المولود غضب غضباً شديداً . سألني لمه سميته خالداً . قلت له و من تريدني أن أُسميه فقال : محمداً . فنحن لا نسميهم . الأيام هي التي تسميهم و هذا اليوم يوافق محمداً.
رابط الحلقة الثانية من أسرار البادية
👇
أسرار البادية 2 / إبراهيم أحمد إبراهيم
https://ibrahim14018.blogspot.com/2020/04/2.html
#خربشات_أبي_يسرا



















