Translate

أسرار البادية 1/ إبراهيم أحمد إبراهيم

-------------------------( أسرار البادية )-------------------------
                                        1
اليوم اكتشفت ذلك السر . كنت دائما محاطاً بأشخاص مختلفين لكن أسماءهم متشابهة؛ لا بل متطابقة . ثلاثة من أعمامي يحملون اسماً واحداً . ك نت دائماً ما أسأل عن غباء جَدِي . كيف له أن يسمي ثلاثة من أبنائه باسم واحد ؟ غير أني كنت دائما أجد لذلك الاسم لِذة .
     في سنة كبيسة هجم علينا سرب من البدو . دخلوا علينا من دون استئذان و شكلوا جزءً من حياتنا . لاحظت أن أسماءهم متشابهة لا تتميز  إلا بالصفات التي يضيفونها إلى نهاية كل اسم للتمييز بينهم  . قلت في نفسي أي غباء هذا . ألا يوجد غير هذه الأسماء ؟ لكنني عندما أتذكر قدسية و رمزية هذه الأسماء أو الاسم  أستغفر الله سراً . لكن السؤال دائما يعود إلى الذاكرة كل ما اجتمع هؤلاء و تضاربت أسماؤهم ! !
    فجأة اختفى هؤلاء البدو . هدأت دارنا . لا تسمع في صالوننا إلا صوت المروحة الحزينة.
في البداية وجدت لذلك السكون راحة . لكن بدأ السأم يتسلل إليّ  و بين فينة و فينة أشتاق إلى صخبهم و أتذكر قصصهم و مغامراتهم . كانوا قصاصين بالفطرة . ماهرين في تصوير المواقف بالكلمات . كان من بينهم شاب ضعيف البنية هادئ الطبع لا تفارق البسمة محياه . يحول النقد إلى نكتة كنت أجد بيني و بينه تجاذباً و كان سريع التعلم تحول في طرفة عين من بدوي قح إلى مدني . . . لكنه رحل كباقي القوم في هدوء . جاؤوا بغتة و رحلوا كذلك.
***
   الكتب كعادتها توقد فيّ روح المغامرة . و تشعل فيّ نيران الهِمة . رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح  جعلتني أفكر في الهجرة إلى الغرب . خاصة تلك القرية التي يحمل كل رجالها اسم ( محمد ) و غالب نسائها اسم ( فاطمة ) و في بعض الأحيان تجد ( مريم و عائشة ) . حملت حقيبة الذكريات و جراب القصص التي سمعتها و حاولت جاهداً أن أسترجع تلك اللكنة التي يمتازون بها . كان كل خوفي أن أنعت بود الخرطوم . أخشى من تلك النظرة الدونية التي ينظرون بها إلى أولاد البندر .
    ما كنت أظن أنني سأتوغل في صحراء قاحلة بحثاً عن قرية كل مقومات الحياة فيها بئر ( سواني ) و ماشية ( هزيلة )  لا كهرباء لا خدمة نت . طبيب المواشي هو طبيب البشر  . كنت قد أخبرت ابن عمي --( ماأدي ) محمد الصغير  الذي اسم أبيه أيضاً محمد و ثلاثة من أشقائه يحملون نفس الاسم فقط تلك الإضافات تفرق بينهم ( مابوا ) محمد الكبير ( مامرو  ) محمد الإحيمر و ( مار ) محمد ( ماأدي ) محمد الصغير -- أخبرته أنني سوف أكون ضيفاً عليهم فاستبشر بتلك الزيارة و أوصاني أن أحمل بعض الكتب و القصص لكي أقرأها عليه و شدد عليّ في مسألة الدخان قائلاً:( كتر من البرنجي ) .
     استقبلني ( ماأدي ) على تخوم الصحراء عند سيالة . ما ان نظرت إليه عرفته رغماً عن ( كدموله ) و نظارته الشمسية . فتحت ذراعي أريد أن أحتضنه و اشتم منه رائحة الجذور لكنه مدّ إلي يداً باردة و بكلمات مقتضبة سأل عن أحوالي و أحوال الأهل في الخرطوم . شعرت بوخزة و بإحباط شديد . تمنيت أن أجد سيارة أرجع بها فوراً . لكن هيهات . فالسيارة تشق تلك البراري مرة كل اسبوع . تأملت الإتجاهات الأربع علني أجد مئذنة أستدل بها على اتجاه القرية . لكن من دون فائدة كل الإتجاهات متساوية فضاء واسع شجيرات صغيرة تتصارع مع الرمال على الوجود و الفناء . غنيمات هنا و هناك تنقب عن العشب ، جمل سائب تخلف عن رفاقه بسبب الضعف . هدوء في هدوء رياح خفيفة . ما كنت أظن أنني  أستطيع سماع دقات قلبي إلا تلك الساعة . في مقدوري أن أعدد أنفاسي . هدوء في هدوء . كل ما حثثنا الخطى نحو المجهول سألت نفسي أكل تلك القصص و الحكاوي الغريبة حصلت هنا ؟ حيث السكون ! فجأة إلتفت إلى الوراء كأنني أودع حبيباً . ابتسمتُ للسكون فإذا بالصحراء تفتح ذراعيها مستقبلة أياي بالحب . رفعت نظري إلى الأفق مردداً (لا شيء يشبه الصحراء يجمع بين الأضداد )  رفع (ماأدي ) رأسه قائلاً مرحباً بك في الديار . الله يسلمك . نظرت إلى الساعة علني أهتدي إلى الوقت  . بقي ربع ساعة على المغيب قالها ( ماأدي)  بدأت القرية تظهر بيوتاً طينية متفرقة تتخللها خيام من الشعر لا يجمعها سوى جَدُ واحد لكن لا أظن أن الجغرافيين سوف يطلقون عليها اسم قرية . شعرت بأن كل البيوت كانت تنظر إليّ و تتفحص ود الخرطوم . استقبلني عمي بكل حفاوة . لم أخبركم أنني سميتُ على عمي ( محمد ) تيمناً بخضرته في الحياة يقولون أنه رجل مبارك عشرة من ذريته يحفظون القرآن . غربت الشمس أُذِن للصلاة عند ديوان عمي . قُدِم رجل عجوز يطلقون عليه ( سيدنا ) صلى بنا صلاة خفيفة جداً لاحظت أنه مسدل اليدين في صلاته استرقت النظر يمنة و يسرة فوجدت أني أنا الوحيد الذي يضع يمناه على يسراه . بعد الصلاة ذُبِح تيس صغير ترحيباً بي عندها أحسست أن ذلك البرود هو من مكتسبات الصحراء . برود قاتل في سيماهم لكنهم يثورون لأتفه الأسباب كما أن الصحراء ساكنة هادئة و عندما تهُب الرياح ينقلب ذلك السكون إلى ثوران .
    نُصِص ذلك التيس على الجمر عندها تذكرت شطر بيت النابغة ( على سفود شرب نصوه عند مفتئد)  وضعت زوجة عمي آنية الشاي الأخضر في مكان قصي و جلست تعده بطقوس غريبة. لكنها كانت تشاركنا الحديث و تصحح بعض الأخطاء التاريخية يظهر أنها عليمة بالأنساب  و عندما تبدأ بالتحدث يصمت الجميع نغمة صوتها تشي بأنها ذات شخصية قوية . جاء كل أبناء العمومة و بناتهم . تحياتهم باردة لكن إبتساماتهم تشفع لهم . أصبح المجلس كبيراً الرجال الكبار مع سيدنا في وسط الدائرة ثم تتابع الشباب في حلق صغيرة محيطين دائرة الكبار . على الشمال جلست زوجة عمي تعد ذلك الشاي الذي انتظرته طويلاً لكنها لم تكن في عجلة من أمرها . خلفها جلست النساء ، و البنات،  يثرثرن بأحاديث و أغلب الظن  أن حديثهن منصب حولي لأن المقل كانت تسترق النظرات نحوي .

جاء رجل يُشْبه مصارعي الجبال في بنيته ينظر بعيني صقر يشعرك بأنه عائف قائف ذو فراسة لا تخطئ صافح الجميع توقف عندي برهة و تأملني جيداً ثم قال سبحان الله ( مايسكو ) لاحظت أن الجميع قد توجس منه خيفة . جلس طرف المجلس و أخرج ربابة قديمة و جعل يداعب أوتارها . لامست النغمات فؤاد الحاضرين ثم بدأ يعدد مآثر الأجداد . ظننت أنه واحد من أفراد الأسرة لكن ملامحه تشي بأنه غريب أو عابر سبيل . ملت على ماأدي و سألته بصوت خفيض دأ منو ؟ فقال هذا عبد من عبيد القبيلة مهمته  حفظ مآثر الأباء و مغامرات الأجداد ليغنيها في الأعياد و الأفراح و يقوم ببعض الأعمال اليدوية التي يستنكف عنها الأحرار . قلت له و يأخذ عليها أجراً ؟ قال : نعم لكن لا يحسب ذلك أجراً إنّما هبة و منة منّا . هو عبد و نحن أسياده .  بُهِتُّ من تلك اللغة الحجرية و تعجبت من قبوله !!. قلت له هذا لا يجوز نحن في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن نصنف الناس بمعيار العبد و السيد لكن . . .كانت كلماتي تشبه حُبيْبات رمل تزروها رياح عاتية في تلك الصحاري المقفرة . بين كل فاصل وتري ، يقوم ليُلقي نظرة على اللحم المنصص يُقَلِبه و يتذوق طعمه في نشوة و اعتداد كأنه يخدم سلطاناً معظماً و عندما يعود إلى عوده الكل يترك الكلام حتى سيدنا يترك مسبحته و يهيم  في الأغاني القصصية يترحم على أبطالها مظهراً نسكاً مزيفاً . كنت الوحيد الذي لم يجد اللذة فقد كان  التنافر جلياً بين صوته المبحوح و وتره الهادي الحنون . سأل العبد زوجة عمي عن الشاي و هو يناولها قسمة النساء من اللحم . فقد قسم اللحم إلى ثلاثة أسهم. سهمين للرجال و سهم  للنساء رغم أن النساء أكثر عدداً من الرجال . ثم أعطى كل واحد منّا ثلاث قطع في يده . استغربت جداً من تلك الطريقة . بدا كل واحد يمضغ نصيبه مستمتعاً به و منتشياً برائحة الشاي و لصوت الفناجين وسوسة كوسوسة الحلي .
للإنتظار طعم جميل . أخيراً وُزِع علينا ذلك الشاي الذي انتظرته خاصة أنا كنت في شوق شديد له . قام سيدنا مودعاً المجلس و واعداً إياهم باللقاء غدا صباحاً شيعه عمي و عصبة من الرجال على إثرهم انفض حفل الاستقبال . قادني ماأدي إلى المسكن الذي أعد ليّ كنت منهكاً من السفر  متعباً من الجلسة الطويلة التي امتدت إلى منتصف الليل . ما إن تمددت على اللحاف حتى غبت في نوم عميق . وفي وقت من الليل لا أدريه سمعت جلبة و حركة خارج خيمتي قمت لأستكشف الأمر وجدت أن الشروق قد حان و العبد جالس قرب الديوان يشحذ  مديته . اااه البارحة عند نهاية المجلس أعلن في الحضور أن الغد سماية مابوا . 
   صادف نزولي عندهم مناسبة مُهِمة جداً . أكبر مناسبتين يحتفون بهما في تلك البوادي ( العقيقة ) و ( الصدقة ) يستقبلونك بفرح و يودعونك بحزن  . في المناسبتين ، تذبح الذبائح يجتمعون من كل فج عميق يأكلون و يشربون بصمت ثم يتفرقون .
   أنجبت ( فطمة ) زوجة ( مابوا ) ولداً قبل قدومي بستة أيام . كنت قد سمعت ببعض طقوسهم . و الأكلات التي يقدمونها يوم العقيقة صباحاً قبل الذبائح ( تِي جُسي ) و بليلة القمح حتى أنهم عندما يريدون الدلالة على صغر سن أحدهم يقولون : ( أكلت بليلته ) عندما وصلتُ للمجلس وجدت العبد قد فرغ من سلخ الذبائح و بدأ يُكسر اللحم . قبل أن أجلس سألت عن اسم المولود فقالوا لم يسم بعد . لماذا ؟ قالوا سيدنا لم يأت بعد . قلت و ما دخل  سيدنا بالإسم ؟ سكت الجميع . لاحظت السرور على وجه مابو فقلت مستغلاً للفرصة دعني أسميه أنا نظر إلى وجه أبيه ليتبين موقفه فلما وجد الحياد قال على بركة الله . توجهت من فوري إلى موضع المولود وأنا  في حالة من الزهو . دخلت عليهم أذنت في أُذن الصبي و سميته خالداً . زغردتِ النسوة رغم أنهن لم يألفن مثل هذه الأسماء . ما كنت أعلم أنني بهذا الفعل دخلت في معركة غير متكافئة مع سيدنا . و أن مابو كان يصفي حساباته مع سيدنا . فقد كان بينه و بينا سيدنا خصومة روحية . لكنه لا يستطيع مواجهة ذلك . عندما طلبت منه أن أسمي المولود لم يتوانى بل فرح بذلك لأنه يعتبر تلك حرباً بالوكالة .
     جاء سيدنا يتبختر في قربوبه فلما علم أنني قد سميت المولود غضب غضباً شديداً . سألني لمه سميته خالداً . قلت له و من تريدني أن أُسميه فقال : محمداً . فنحن لا نسميهم . الأيام هي التي تسميهم و هذا اليوم يوافق محمداً.
رابط الحلقة الثانية من أسرار البادية
                   👇

أسرار البادية 2 / إبراهيم أحمد إبراهيم
https://ibrahim14018.blogspot.com/2020/04/2.html
 

#خربشات_أبي_يسرا

هناك 9 تعليقات:

  1. صح لسانك وخط قلمك وانصت مسامعنا إليك والفت انتباهنا إليك أبو يسرى بجمال الكلم وروعة وصفك وحضورك الكامل في سردك لهذه الرحلة بقلمك وقلبك وترتيبك ومولاتك
    ياااااا لجمالك وجمال ما حكيت لنا
    شوقتنا الي البادية وأهلنا وحركت فينا شقف الرحلة إليهم
    بكل أمانة لابد أن تزودنا بالمزيد والجديد
    فأنت أهل للقلم وهذا ما كنا نتوقعه منك
    دامت كتبا وملما بكل صغيرة وكبيرة
    هناك جنود يحملون السلاح وجنود يحملون القلم
    موفق ابن عمي أبي يسرى ودمت بخير وعافية

    ردحذف
    الردود
    1. الله يسلمك . مشكور على القراءة

      حذف
  2. احسنت واجدت اخي ابو يسرا
    وصف دقيق وسرد اكثر من رائع لحياة الاهل في باديتنا ولكن السؤال الذي لم يبرح مخيلتي كيف هي اوار الحرب التي اشعلتها مع سيدنا اما ذالت متقدة ؟ 😁😁😁

    ردحذف
    الردود
    1. ههههههه . نشوف في الحلقة القادمة

      حذف
  3. روعه أكثر من رائع قصة مليئة بالتشويق والمفردات الجميلة وتنقل لنا صور رائعة عن حياة البادية رغم جفاواتها وقساوتها حيث استطعنا من خلالها أن نتعايش الأحداث وكأنها أمامنا ونرى كل الأحداث بتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة وهذا يدل على تمكن الكاتب وقوة التشبيه والتصوير لديه ونقل الأحداث في انتظار المزيد موفق

    ردحذف
  4. ابدعت وأمتعت في وصف حياة اهلنا بالبادية
    سرد جميل جدآ تخيلت كل هذه العبارات وكأني رأيت كل ماكتبته في عقلي الباطن
    أو حلمت به فعلآ

    ولم يكتمل الحلم وبقي ذاك الحرب الذي أشعلته بين (سيدنا ) و (مابو) ناقصه لأخد غفوه اخري لعلي اخطف حلم ماتبقي .

    مشاءالله مذيدآ من التقدم انشاءالله حبيبنا وأستاذنا وشيخنا ابو يسرا

    ردحذف
  5. ابدعت وأمتعت في وصف حياة اهلنا بالبادية
    سرد جميل جدآ تخيلت كل هذه العبارات وكأني رأيت كل ماكتبته في عقلي الباطن
    أو حلمت به فعلآ

    ولم يكتمل الحلم وبقي ذاك الحرب الذي أشعلته بين (سيدنا ) و (مابو) ناقصه لأخد غفوه اخري لعلي اخطف حلم ماتبقي .

    مشاءالله مذيدآ من التقدم انشاءالله حبيبنا وأستاذنا وشيخنا ابو يسرا

    ردحذف
    الردود
    1. مشكور على القراءة و الكلمات الجميلة المحفزة .

      حذف
  6. ابدعت وأمتعت في وصف حياة اهلنا بالبادية
    سرد جميل جدآ تخيلت كل هذه العبارات وكأني رأيت كل ماكتبته في عقلي الباطن
    أو حلمت به فعلآ

    ولم يكتمل الحلم وبقي ذاك الحرب الذي أشعلته بين (سيدنا ) و (مابو) ناقصه لأخد غفوه اخري لعلي اخطف حلم ماتبقي .

    مشاءالله مذيدآ من التقدم انشاءالله حبيبنا وأستاذنا وشيخنا ابو يسرا

    ردحذف

الإزدواجية /القبائل المشتركة

 #قلم_رصاص #البرية_148 ---------------------------( هل الإزدواجية عار ؟ )--------------------------                                         ...